شنگال… مرآة الوعي السياسي العراقي الغائب

عبدالرحمن كلو 

في لقاءٍ تلفزيوني على شاشة روداو، وجّه أحد نازحي شنگال سؤالًا بسيطًا ومباشرًا إلى رئيس الوزراء العراقي السيد محمد شياع السوداني:

 لماذا لم تُنفّذ اتفاقية شنگال؟

فجاء جواب السوداني ببرودٍ لا يخلو من استخفاف:

 هل تعلم ما هي اتفاقية شنگال؟

وحين أجابه الرجل بالإيجاب، قاطعه السوداني سريعًا قائلاً:

الاتفاقية تعني التنمية ووجود القوات الأمنية العراقية في القضاء، واليوم الجيش والحشد الشعبي والشرطة الاتحادية موجودون هناك، فأين المشكلة؟

ثم اختتم بالقول:

لا توجد مشكلة، سوى ما تثيره بعض الأطراف الحزبية لأجنداتها الخاصة.

جواب كهذا، على بساطته الظاهرية، ينطوي على دلالات سياسية وفكرية عميقة، تكشف عن أزمة بنيوية في الوعي الوطني العراقي الرسمي. فخلف نبرة الاطمئنان تختبئ رؤية مركزية استعلائية تُخفي أكثر مما تُظهر، وتعيد إنتاج الإشكالية الأزلية للدولة العراقية في علاقتها بمكوناتها المتعددة.

أولًا:

 إنكار الوجود وتزييف الواقع حين ينفي رئيس الوزراء وجود مشكلة في شنگال، فهو لا يقدّم قراءة سياسية بقدر ما يمارس فعل الإنكار السياسي المتعمد.

يتجاهل السوداني – عن قصد – وجود ميليشيات غير عراقية في القضاء، ويضفي على هذا الواقع طابعًا من «الشرعية الوطنية» المزعومة.

هذا الإنكار ليس سهوًا في التعبير، بل موقفٌ محمّل بالنية، يراد منه طمس الحقائق الميدانية لصالح توازنات تفرضها إملاءات خارجية، وتُدار بعقلٍ لا يرى في السيادة سوى شعارٍ انتقائيّ يُستخدم لتبرير الهيمنة لا لتثبيت الدولة.

ثانيًا:

 خلط المعاني وانهيار المفاهيم يتمادى السوداني في خطابه حين يُساوي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني – وهو مكوّن وطني شرعي له امتداد تاريخي في النضال العراقي والكوردستاني – وبين الميليشيات الوافدة التي تفرض وجودها بقوة السلاح، وتتحرك وفق استراتيجية إقليمية إيرانية – تركية متقاطعة المصالح.

هذا التماثل بين المتناقضات ليس مجرد زلة لغوية؛ بل هو انهيارٌ في المفهوم الوطني ذاته، إذ يُسوّى بين الوطني والدخيل، بين الممثل الشرعي والمعتدي، وبين من يحرس الجغرافيا ومن يبتلعها.

إنه خلطٌ يفرّغ فكرة الوطنية العراقية من مضمونها الأخلاقي والسياسي، ويحيلها إلى أداة لتبرير التبعية والازدواجية.

ثالثًا: 

شوفينية السلطة ومأزق الدولة من خلال هذا الخطاب، يتبدّى المنظور القومي الشوفيني الذي ما زال يحكم ذهنية الدولة العراقية الحديثة.

فالسوداني لا يرى في الوجود الكوردي شريكًا اتحاديًا دستوريًا، بل عقبةً أمام عراقٍ عربيٍّ مركزيٍّ يستعيد هيمنة الماضي.

تغاضيه عن وجود قوات حزب العمال الكوردستاني في شنگال لا يمكن فهمه إلا ضمن هذا الإطار: توظيف مصلحي يرمي إلى تقويض الهوية الكوردستانية لتلك المناطق، وتكريس واقعٍ جغرافي–سياسي يخدم مركزية بغداد على حساب مبدأ الشراكة الفيدرالية.

إنه وعيٌ سلطويٌّ مأزوم، يرى في التعدد خطرًا وفي التنوع تهديدًا، ويخلط بين الدولة كعقد اجتماعي والسلطة كاحتكارٍ قوميٍّ للقرار.

رابعًا:

 بين الصمت والمساءلة كان الأجدر بالنخب السياسية والثقافية في إقليم كوردستان، ولا سيما أولئك الذين يشاركون في الإعلام العراقي، أن يعيدوا السؤال إلى رئيس الوزراء ذاته:

هل تعني تصريحاتكم أن أجندة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أجندة غير وطنية؟

وهل ترون أن كوردستان ليست جزءًا من العراق؟

أم أنكم تعتبرون وجود حزب العمال الكوردستاني في شنگال جزءًا من منظومة الأمن العراقية وشرعية سيادته؟

فالصمت أمام هذا الانزلاق في المفاهيم هو تواطؤ ضمني مع الخطاب الإقصائي، وهو ما يكرّس أزمة الدولة العراقية لا يحلها.

خامسًا: 

غياب الوعي الوطني وميلاد الازدواجية إن تجاهل مثل هذه التصريحات وعدم نقدها بوعيٍ وطنيٍ صريحٍ لا يضرّ كوردستان وحدها، بل يهدم فكرة العراق كدولة اتحادية تقوم على الشراكة والاعتراف المتبادل.

فحين يُستبدل الوعي الوطني بالولاء الفصائلي، ويُختزل الانتماء إلى حسابات طائفية أو إقليمية، تتحول الدولة إلى ساحة لتصفية الحسابات الخارجية.

وبدل أن تكون السياسة أداةً لتنظيم الاختلاف، تصبح وسيلةً لتكريسه، وبدل أن يكون العراق دولةً جامعة، يغدو مجموعة جزرٍ تتنازعها الولاءات العابرة للحدود.

إن اتفاقية شنگال لم تعد مجرّد ملف إداري مؤجّل، بل تحوّلت إلى مرآةٍ تكشف عمق الأزمة البنيوية في مفهوم الدولة العراقية الحديثة.

ففي كل مرّة يُتجاهل فيها الواقع لصالح الخطاب، وفي كل مرة تُستبدل فيها الحقيقة بالمجاملة السياسية، تتراجع الدولة خطوة أخرى نحو التفكك.

إنّ قضية شنگال اليوم ليست قضية حدودٍ أو سلطاتٍ محلية؛ بل هي قضية وعيٍ وشرعية، فهل الدولة العراقية قادرة على أن تكون دولة إتحادية مع الاقليم الكوردستاني ؟ أم أنها لا تزال أسيرة عقلٍ مركزيٍّ يرى في الآخر تهديدًا وفي الشريك خصمًا؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير شنگال، و كركوك ، وخانقين و… .. بل مستقبل العراق ذاته وبكلّيته بين أن يكون دولة وطنية إتحادية تعددية، أو ساحةً تتناوب عليها الإرادات الخارجية المتصارعة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…