حين عرّى الوعي الكوردستاني الزيف الانتقالي

د. محمود عباس

سقوط الأقنعة في ساحات سوريا وأوروبا ومعركة الشرق الجديد.

لقد انكشف المستور أخيرًا؛ فالحكومة السورية الانتقالية ومن يقف خلفها من قوىٍ إقليمية تعرّت أمام العالم، بعدما فشلت في تحشيد الناس ضدّ قوات سوريا الديمقراطية، سقط قناعها الدعائي الذي روّجت به أنها تمثل “أغلبية الشعب السوري”، فإذا بها لا تمثل حتى ربع المكوّن السني الذي تتحدث باسمه. لقد تكشفت هشاشتها في الداخل والخارج، وانفضح دورها كأداة تنتهي مهمتها بزوال الحاجة إليها، ولو أدرك القائمون عليها هذه النتيجة، لما أقدموا على مغامرة كهذه تكشف خواءهم السياسي والأخلاقي.

إنّ تلك المسيرات التي حاولت السلطة الانتقالية افتعالها لم تكن سوى ارتعاشات كيانٍ يدرك أنه في طور الزوال، فهي جزء من مشهدٍ أوسع من الصراع على جغرافية الوعي ومصير الشرق الأوسط الجديد، حيث تدور معارك متزامنة، ضدّ “قسد” بوصفها الذراع الأكثر ثباتًا للولايات المتحدة والتحالف الدولي، وضدّ القضية الكوردية التي بدأت تفرض حضورها على خرائط التفاهمات الإقليمية.

ما جرى لم يكن مجرّد تحشيدٍ سياسي، بل إحدى حلقات الحرب على الوعي الكوردستاني الذي تجاوز حدود الجغرافيا واللغة، فالجهات المحرّضة، من بقايا البعثيين، والتكفيريين، والمأجورين، تتحرك بأمرٍ من أنقرة، تلك التي جعلت من العداء للكورد عقيدة دولة، وجرّت خلفها حكومتها الوكيلة المسماة “الانتقالية” لتكرار دور النظام البائد في محاربة كلّ من يحمل هوية الحرية أو راية كوردستان.

ولم يعد خافيًا أن ما يجري في الخفاء أكبر من حدود سوريا نفسها؛ فالمشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط يُعاد رسمه، ومن ضمنها تركيا وإيران والعراق وسوريا، تحت مظلة مصالح القوى الكبرى، وبموازاة ذلك تتحرك مراكز القرار في واشنطن ولندن وباريس وموسكو لتفحص بنية الوعي الجديد لشعوب المنطقة، ومنها الوعي الكوردستاني الذي تحوّل من قضية محلية إلى قضية عالمية ذات بعد حضاري وإنساني.

هذه المراكز لم تعد تدرس الشرق الأوسط كخرائط طاقة وحدود نفوذ، بل كمنطقة تتنامى فيها قوة الوعي الجمعي الذي يكسر قوالب الاحتلال والاستبداد، ويعيد تعريف الانتماء والهوية، ولعلّ هذا ما أقلق الأنظمة المحتلة لكوردستان، التي كانت تحتكر تصنيف الأعداء والأصدقاء، فوجدت نفسها أمام شعوبٍ بدأت تعيد تعريف ذاتها خارج قوالبها القديمة.

ومن هنا نفهم مغزى مؤتمر الأقليات في إسرائيل الذي ظنّه البعض مجرّد مبادرة فردية هامشية، بينما هو في الحقيقة إحدى حلقات المخطط الجديد لإعادة صياغة الشرق الأوسط على ضوء التحولات الفكرية والوعي الخوارزمي العابر للحدود، إنّ حضور شخصيات كوردية ودرزية وعلوية ومسيحية في هذا المؤتمر لم يكن انشقاقًا عن أوطانهم، بل تمرّدًا على ثقافة الإقصاء التي سادت قرنًا من الزمن.

لقد تغيّر المشهد، فالقضية لم تعد تُقاس بالسلاح، بل بمن يمتلك وعي الشعوب ومفاتيح المستقبل، ومن هنا، فإنّ الحرب الحقيقية التي تخوضها قوى الظلام ليست ضدّ قسد أو الإدارة الذاتية فحسب، بل ضدّ الوعي الجمعي الكوردستاني الجديد الذي بدأ يُسقط أقنعة الأنظمة، ويكسر جدران الصمت، ويُعيد للشرق وجهه الإنساني بعد قرونٍ من التزييف.

اليوم، لم يعد الصراع في سوريا صراعًا على سلطةٍ أو حدود، بل على العقل الذي يرسم الغد، فبين من يصرّ على إحياء الخرائط القديمة، ومن يسعى لبناء شرقٍ جديد يقوم على الحرية والتعددية، يقف الشعب الكوردي في قلب المعادلة، لا كأقلية تبحث عن اعتراف، بل كقوة فكرية وثقافية تعيد تعريف معنى الوطن.

والذين ظنّوا أن بإمكانهم محو هذا الوعي بالتحريض أو التشويه، سيكتشفون قريبًا أن التاريخ لا يرحم من يحارب الفكرة عندما تتحول إلى وعيٍ جمعيٍّ لا يُقهر، ليس فقط على مستوى شعوب سوريا، بل شعوب الشرق الأوسط.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/10/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…