من نواب الشعب إلى نواب السلطة

كفاح محمود

   منذ أول دورة انتخابية بعد عام 2003، دخل العراق تجربة برلمانية يُفترض أن تكون حجر الأساس لدولةٍ ديمقراطيةٍ فيدرالية، تُبنى على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها، غير أنّ الممارسة على الأرض كشفت عن انحرافٍ خطير في مفهوم النيابة ووظيفتها، إذ تحوّل البرلمان تدريجيًا من سلطة تشريعية رقابية إلى ساحةٍ تغلب فيها المصالح الفئوية، فظهر نوعان من النواب: نواب الخدمات ونواب التشريع، والفرق بينهما هو الفرق بين من يخدم المواطن ومن يخدم الدولة.

   الحرمان من الخدمات الأساسية – كهرباء، ماء، صحة، تعليم، وفرص عمل – جعل المواطن يبحث عن منقذٍ شخصي بدل ممثلٍ مؤسسي، فاستغلّ المرشحون هذا الحرمان ليتحوّلوا إلى “وسطاء خدمات” بين الناس والوزارات، يقدمون الوعود ويقايضون الصوت الانتخابي بوظيفةٍ أو مشروعٍ خدميٍ محدود، ومع مرور الوقت، ترسّخ هذا النمط ليصبح هو الأصل، فتراجعت الوظيفة التشريعية إلى الهامش، وصار البرلمان أقرب إلى مكتب خدمات موسّع يخدم الدائرة الانتخابية أكثر مما يخدم الدولة، بهذا الشكل، انقلبت العلاقة: لم يعد النائب ممثلًا عن الأمة، بل متعهّدًا لمصالح مناطقية أو عشائرية تُستخدم كوقودٍ للدعاية السياسية المقبلة.

   في المقابل، تراجعت الكفاءات القانونية والفكرية القادرة على تحويل مواد الدستور إلى قوانين عملية، أكثر من خمسين مادة دستورية ما تزال معلقة، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بتوزيع الثروات الطبيعية، وتنظيم العلاقة بين المركز والإقليم، وتأسيس مجلس الاتحاد، وهو أحد أهم ركائز النظام الفيدرالي، لقد تحوّل هذا المجلس المنتظر إلى ملف مؤجَّل عمدًا، لأنّ قيامه يعني خلق توازن بين المحافظات والإقليم من جهة، والحكومة الاتحادية من جهةٍ أخرى، وهو ما لا ترغب به القوى المهيمنة على القرار المركزي التي تسعى لإبقاء الدولة تحت قبضة واحدة، وهكذا ظلّ العراق حتى اليوم بنصف برلمانٍ مشوّه، لا يكتمل فيه البناء الدستوري، ولا تُطبَّق مواده الأساسية التي تعني انتقال الدولة من الشكل المركزي إلى الفيدرالي الفعلي.

   ما يحدث اليوم ليس مجرّد خللٍ في الممارسة، بل مشروع سياسي واضح لإعادة إنتاج الدولة المركزية التي عرفها العراقيون خلال العقود السابقة، ولكن هذه المرة بثوبٍ مختلف، فبعد أن كانت المركزية تُبرَّر بالعقيدة القومية للحزب الواحد، أصبحت تُمارس اليوم باسم الأغلبية المذهبية، أي بمركزيةٍ طائفيةٍ جديدة تُعيد احتكار القرار السياسي والاقتصادي في بغداد، وتُهمّش الأطراف والمكوّنات، الأخطر من ذلك أنّ النظام السابق الذي أُسقط قبل أكثر من عقدين ما زال يحكم من قبره عبر قوانينه، إذ أبقت الحكومات المتعاقبة على عشرات القرارات والتشريعات التي صدرت عن مجلس قيادة الثورة المنحل، وهي في معظمها تمجّد الدولة المركزية المطلقة وتمنحها صلاحيات تتقاطع مع جوهر الدستور الجديد.

   في موازاة هذا الانحدار، جرى تطويع البرلمان ليصبح أحد أذرع القوى المسلحة التي تشكّلت بعد عام 2003. فالميليشيات التي نشأت تحت عناوين “المقاومة” أو “الحشد” أو “الفصائل العقائدية”، سرعان ما أنشأت واجهاتٍ سياسية تخوض الانتخابات وتصل إلى البرلمان لتُمثّل مصالحها من داخله، لا لتخدم الدولة أو الشعب، وهكذا، أصبح البرلمان مظلةً قانونيةً للنفوذ المسلح، وأداةً لتشريع ما يخدم مراكز القوة في الميدان، فيما ضاعت الحدود بين القرار السياسي والسلاح، وتحت هذه المظلة، تكرّست عقلية القوة بدل القانون، وأصبح التشريع نفسه رهينة توازنات الفصائل والتحالفات المسلحة، في سابقةٍ لم يعرفها العراق منذ قيام دولته الحديثة.

   ولم تتوقف محاولات المركزية الجديدة عند حدود التشريع، بل امتدّت إلى محاولاتٍ حثيثة لإضعاف إقليم كردستان، سواء عبر تعطيل مستحقاته المالية، أو التدخل في ملفاته النفطية والإدارية، أو عبر حملات سياسية تهدف لتشويه فكرة الفيدرالية، كما وُضعت العراقيل أمام أي محافظة تحاول التحول إلى إقليم، كما حصل في البصرة وصلاح الدين، في حين ينص الدستور صراحة على هذا الحق، إن هذا السلوك يؤكد أن المشكلة ليست مع الإقليم وحده، بل مع مبدأ اللامركزية ذاته، ومع أي محاولة لتوزيع السلطة والثروة خارج قبضة المركز.

   إن التحول من برلمانٍ مشرّعٍ ورقيب إلى برلمانٍ تابعٍ وخادمٍ للسلطة التنفيذية والمسلحة، هو أخطر ما يهدد التجربة الديمقراطية العراقية، فما لم يُستعد التوازن بين المركز والأطراف، وبين التشريع والخدمات، وبين الدولة والسلاح، فإن العراق سيسير نحو نظام مركزي جديد بواجهةٍ ديمقراطيةٍ مزيّفة، إنها عودة إلى “الدولة القديمة” ولكن هذه المرة ليست بشعارات البعث القومية، بل براياتٍ طائفيةٍ تُعيد إنتاج الاستبداد ذاته، وهكذا، يُعاد تشكيل النظام – لا على أسسٍ وطنيةٍ فيدرالية، بل على قاعدةٍ حزبيةٍ ومذهبيةٍ ضيّقة – لتبقى الحقيقة المرة: البرلمان في العراق لم يعد برلمان الشعب، بل برلمان السلطة الذي يُشرّع ما يُبقيها، ويُعطّل ما يحرّر الدولة منها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….