العمال الكردستاني..مسار نصف قرن بين الجبل والبرلمان 

نورالدين عمر 

في 27 تشرين الثاني 1978 أُعلن تأسيس حزب العمال الكردستاني في قرية صغيرة بولاية آمد (دياربكر) بقيادة عبدالله أوجلان، كحزب يساري- اشتراكي يهدف إلى تحرير كردستان وتأسيس دولة مستقلة. وفي 15 آب 1984 أطلق الحزب أولى عملياته المسلحة ضد الدولة التركية، لتبدأ مرحلة صراع طويل استمر حتى نهاية التسعينيات.

في شباط 1999 اعتُقل أوجلان في نيروبي ونُقل إلى تركيا، ما شكل نقطة تحول في مسار الحزب. من سجنه في جزيرة إيمرالي، دعا أوجلان إلى مراجعة فكرية عميقة، مطالباً بالتحول من الكفاح المسلح إلى النضال السياسي، وطرح مفهوم “الأمة الديمقراطية” الذي يدعو إلى كونفدرالية ديمقراطية لشعوب الشرق الأوسط دون المساس بالحدود القائمة.

منذ عام 1993 وحتى عام 2013 ، أعلن الحزب عدة مرات وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد، لكن الدولة التركية لم تستجب عملياً، واستمرت المواجهات، فيما استخدمت أنقرة نشاط الحزب لتبرير حملات عسكرية واسعة ضد المناطق الكردية في تركيا والعراق وسوريا.

في أواخر عام 2024 دعا زعيم حزب الحركة القومية دولت باخجلي إلى دعوة أوجلان إلى البرلمان لإعلان حل الحزب مقابل الإفراج عنه، وهي دعوة دعمها لاحقاً الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووافق أوجلان على الدعوة لكنه فيما بعد طور الموقف إلى مبادرة شاملة تضم جميع القوى الكردية في تركيا والعراق وسوريا.

بناء على دعوة أوجلان، أعلن حزب العمال الكردستاني في 12 أيار 2025 حل نفسه، وفي 26 تشرين الاول الحالي أعلن جناحه العسكري انسحاب مقاتليه من الأراضي التركية، ما خلق جدلا في الشارع الكردي والتركي.

الشارع التركي منقسم بين من يعارض العملية ويعبر عن خوفه من التطورات، وبين من يعتبرها نصراً على حزب العمال الكردستاني.

أما الآراء داخل الشارع الكردي فانقسمت بين من يرى الخطوة فرصة تاريخية لإنهاء الحرب، ومن يعتبرها تنازلاً خطيراً دون ضمانات حقيقية من الدولة التركية.

لكن الواضح أن لا أحد من الطرفين (الحزب والدولة) استطاعا الحسم عسكرياً، وأن التحول إلى العمل السياسي أصبح خياراً لا مفر منه، خصوصاً مع تصاعد الدور السياسي لحزب الشعوب للديمقراطية والمساواة (DEM) واحتمال تحوله إلى قوة رئيسية في المشهد التركي.

القضية الكردية اليوم تدخل مرحلة جديدة، لا تقوم على السلاح بل على السياسة والوعي والتنظيم. قد تكون الطريق طويلة، لكنها المرة الأولى التي يقترب فيها الكرد من تحويل نضالهم إلى مشروع ديمقراطي شامل يتجاوز الحدود والسلاح.

ويمكن ذكر أهم الجوانب الرئيسة في التحول الحالي باختصار شديد:

1- في الجانب العسكري تراجع دور الكفاح المسلح بعد 1999، ولم تعد العمليات العسكرية قادرة على تغيير موازين القوى، بل استخدمتها تركيا لتبرير تدخلات أوسع.

2- في الجانب السياسي بات النضال السياسي الخيار الأنجح، مع صعود حزب (DEM) كقوة مؤثرة قد تشكل مستقبلاً التوازن داخل تركيا.

3- في الجانب الفكري والمجتمعي:

تحولت فكرة الدولة القومية إلى مشروع الأمة الديمقراطية، الذي يربط حرية الكرد بمستقبل الديمقراطية في المنطقة، وأن كانت هناك معارضة لهذه الفكرة. كما أن المجتمع الكردي أنهكته الحرب، وأصبح يميل إلى السلام والتنمية والمشاركة المدنية بدلاً من الصراع المسلح.

5- في الجانب الدولي ربما تكون الاهم وهي أن التحول السلمي يعزز صورة الحركة الكردية أمام العالم، ويفتح المجال أمام دعم سياسي وحقوقي أوسع للقضية الكردية.

خلاصة

حل حزب العمال الكردستاني ووقف الكفاح المسلح لا يعني نهاية النضال الكردي، بل بداية لمرحلة سياسية جديدة أكثر نضجاً ووعياً. ومع دخول القضية الكردية ميدان السياسة بعد عقود من الصراع، سيكون ذلك ربما التحول التاريخي الأهم منذ تأسيس الحزب قبل أكثر من أربعين عاماً، خاصة أن كافة القيادات الكردية تؤيد الخطوة وتقدم التسهيلات لنجاحها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…