تركيا بين الطموح الإقليمي والرفض الدولي.

سليمان سليمان

تحاول تركيا في الآونة الأخيرة أن تملأ الفراغ الذي خلفته إيران في كل من سوريا ولبنان، مستفيدة من تراجع النفوذ الإيراني في بعض الملفات الإقليمية. غير أن هذا الطموح التركي يصطدم بعقباتٍ جوهرية، في مقدمتها الموقف الإسرائيلي، إذ من غير المرجح أن تسمح إسرائيل لأنقرة بأن تحل محل طهران في إدارة التوازنات الإقليمية. فإسرائيل، ومعها معظم دول العالم، تدرك جيدًا أن تركيا تُعد من أكثر الدول دعمًا وتمويلًا للجماعات الدينية المتطرفة والمتشددة، بالتعاون مع دولة قطر.

ورغم محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتكررة للتقرب من إسرائيل سرًّا وعلانيةً، وتقديمه تنازلاتٍ سياسية واقتصادية في سبيل ذلك، إلا أن إسرائيل لم ولن تثق به. فهي تدرك ازدواجيته السياسية، إذ يعلن مهاجمته للجماعات المتشددة نهارًا من أجل إرضاء الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما يجتمع بهم ليلًا ويدعمهم بمختلف الوسائل الممكنة. هذا التناقض الواضح جعل من أردوغان نموذجًا للسياسي الذي يحمل القرآن بيدٍ، والبندقية بيدٍ أخرى، في مزيجٍ يجمع بين الشعارات الدينية والمصالح البراغماتية.

وعلى ضوء هذه المعطيات، لا يمكن لإسرائيل أن تسمح بوجود جماعاتٍ متطرفة على حدودها، سواء في سوريا أو في لبنان، لما يشكله ذلك من تهديد مباشر لأمنها القومي. 

ومن هذا المنطلق، يبدو من غير الواقعي أن تتمكن تركيا من وراثة الدور الإيراني أو أن تُقبل إقليميًا ودوليًا بديلاً عنه. 

ومن جانب آخر أي على الصعيد الداخلي السوري، تواصل أنقرة سياستها العدائية تجاه أي مشروع كوردي يسعى إلى تحقيق الحرية أو تقرير المصير، إذ تعتبره تهديدًا مباشرًا لأجندتها القومية. وتعمل في هذا السياق على إفشال أي مسارٍ سياسي يمكن أن يفضي إلى اعترافٍ بحقوق الكورد، مما يؤكد أن الدور التركي في المنطقة لا يهدف إلى تحقيق الاستقرار، بل إلى فرض نفوذٍ أحادي قائم على التوسع ومحاربة أي مشروعٍ ديمقراطي أو تعددي حقيقي.

وفي ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، اعتقد  أن الدور التركي سيبقى محصورًا ضمن حدود التأثير التكتيكي المؤقت، وليس الاستراتيجي الدائم. فمحاولات أنقرة لتوسيع نفوذها في سوريا ولبنان كما اشرنا تصطدم بعوامل متشابكة، أبرزها الرفض الإسرائيلي، والحذر الدولي، وتنامي الوعي الكوردي بضرورة حماية مشروعه الوطني من أي وصايةٍ خارجية.

لذلك، يُرجح أن يبقى الدور التركي عنصر توتيرٍ وعدم استقرارٍ في المنطقة، ما لم تُجرِ أنقرة مراجعةً شاملة لسياساتها القائمة على التدخل والصدام، وتتبنَّ نهجًا أكثر واقعيةً يراعي توازنات القوى وحقوق الشعوب.

ختامًا، يمكن القول إن سياسة أنقرة الإقليمية، بما تحمله من تناقضاتٍ بين الخطاب الديني والممارسة البراغماتية، تجعلها طرفًا فاقدًا للثقة الدولية، وغير مؤهلٍ لقيادة أي توازنٍ إقليمي مستقر. فتركيا اليوم أمام خيارٍ مصيري: إما أن تراجع سياستها وتعيد تموضعها ضمن منظومةٍ تحترم إرادة الشعوب، أو أن تبقى أسيرة طموحاتٍ توسعية تُعمق عزلتها السياسية في المنطقة.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ريبر هبون تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنّها الفصائل المتشددة المدعومة تركيًا والمحسوبة على وزارة الدفاع السورية، بوصف ذلك بداية لمرحلة جديدة ترسم حدودها بوضوح بين الكورد، الممثلين بمشروعهم المتمايز، وبين مشروع الفكر الجهادي الذي ما إن يتوافق مع الخارج، وهذه المرة إسرائيل، حتى يبدأ عملية جديدة بغية إحكام…

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…