إقليم كوردستان ومعارك چالديران الحديثة

عنايت ديكو

* قراءة في الصراع بين الجغرافيا والمصالح الكبرى .

في قلب الشرق الأوسط المشتعل، يقف إقليم كوردستان العراق كجغرافيا تتنفس السياسة أكثر مما تتنفس الهواء. هذه البقعة الصغيرة من الأرض تمثّل تقاطعًا نادرًا بين كلّ خطوط النار والمصالح الإقليمية والدولية. ومنذ منتصف القرن الماضي، لم تهدأ هذه الأرض لحظة عن كونها مختبرًا مفتوحًا للتجارب والمقايضات، ومسرحًا للصراعات الخفية بين القوى الكبرى.

* خيانة الجزائر وبذور الحذر الكوردي .

التاريخ الكوردي لا يُقرأ من صفحات الانتصار وحدها، بل من جراح الخيانات أيضًا. حين طُعنت الثورة الكوردية في ظهرها باتفاقية الجزائر المشؤومة عام 1975، أدرك الكورد أن الثقة بلغة المصالح الإقليمية نوعٌ من السذاجة السياسية. لقد باع العراق أراضيه لإيران مقابل خنق الثورة الكوردية، فغرز الخنجر في خاصرة أمةٍ لم تطلب يومًا سوى حقها في الوجود.

ومن تلك الخيانة وُلِدت ذاكرة كوردية حذرة، تتوجّس من الوعود، وتقرأ ما بين السطور قبل أن تصدّق أيّ اتفاق أو تحالف.

* ولادة الفيدرالية… وولادة الخوف منها وعليها .

انهار نظام صدام حسين، فانبثقت من رماده تجربة كوردستان الفيدرالية بقيادة مسعود البارزاني – تجربة لم تَرُقْ لكثيرين، لأنها أعادت للكورد صوتهم وكرامتهم ودورهم في المنطقة.

لكن سرعان ما بدأت القوى الإقليمية والدولية تتوجّس من هذا الكيان الوليد، الذي راح يتجاوز حدوده الجغرافية ليصبح فكرةً تحرّك الوعي في كلّ أجزاء كوردستان. عندها تحركت الماكينات السياسية والاستخباراتية لإضعافه ومحاولة تطويقه قبل أن يتحوّل إلى لاعبٍ مستقل في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

* لعبة المصالح ودور “الشرطي المطلوب” لكوردستان؟

في مطابخ السياسة الدولية، طُرحت فكرة جعل كوردستان “شرطيًّا” على مصالح الغرب في وجه التمدّد الإيراني، مقابل فتاتٍ من المكاسب: بعض آبار النفط في كركوك، وبعض النفوذ السياسي في المنطقة الخضراء ببغداد.

لكن القيادة الكوردستانية قرأت المشهد جيدًا، فقد أرادوا تحويل الإقليم إلى “سبطانةٍ مدفوعة الأجر”، تقف في مواجهة إيران لحماية مصالحهم النفطية في الخليج، فيما يكون الكورد وقود الحرب والمعارك.

هنا قال الإقليم كلمته الصلبة: لن نكون مقاتلين تحت الطلب؛ إمّا شراكة حقيقية في رسم مستقبل الشرق الأوسط الجديد، أو لا حرب باسمنا على أحد.

* الاستفتاء: لحظة التحدّي والكرامة .

عندما رأى الإقليم أنّ الدول الكبرى والإقليمية تريد استخدامه بلا مقابل، قرّر قلب الطاولة. فكانت خطوة الاستفتاء على الاستقلال هي الردّ السياسي الأجرأ في تاريخ كوردستان الحديث.

لم يكن الاستفتاء مجرّد تصويتٍ على الانفصال، بل إعلانًا رمزيًا بأنّ الكورد لن يركعوا بعد اليوم أمام لعبة المصالح.

أراد البارزاني أن يثبت للعالم أنّ كوردستان شريكٌ لا تابع، وأنّ الأمة التي قاومت الأنفال وحلبجة لا يمكن أن تُختصر في دورٍ وظيفي ترسمه القوى الكبرى.

* الغضب الدولي… والحصار الخانق .

حين قرر الإقليم أن يرفع رأسه، انهالت عليه الضربات من كلّ اتجاه. تركيا هدّدت بـ”قطع الصنبور” وأغلقت المنافذ البرية والجوية. الدول الغربية حرّكت شركاتها العملاقة، وعلى رأسها “بريتش بتروليوم” (BP)، لتضغط على حكوماتها ضد أيّ مشروعٍ استقلالي.

فُرض حصارٌ خانق، أُغلقت المطارات والمنافذ، وجفّت منابع المال، وهربت رؤوس الأموال. دخل الإقليم مرحلة الرعب الاقتصادي والسياسي، وبدأت الأصوات الداخلية تتذمّر.

لكن القيادة الكوردستانية، رغم كلّ ذلك، وقفت بشجاعة وقالت كلمتها الخالدة:

“نموت واقفين ولن نصبح حطبًا في موقد الآخرين.”

* إيران تراقب… والغرب يشتعل .

في خضمّ هذا الصراع، وقفت إيران في موقع المراقب الذكي. لم تشارك في خنق الإقليم، بل فتحت حدودها ومعابرها، تاركةً الباب مواربًا أمام علاقاتٍ محسوبة. أدركت طهران أنّ سقوط كوردستان في الفوضى سيخدم خصومها أكثر مما يخدمها.

في المقابل، كان الغرب يغلي. لم يعتد أن يقول له أحد “لا”. أرادوا من الإقليم أن يكون سيفهم المرفوع في وجه إيران، لكنه اختار أن يكون صوت كرامته لا صدى لأوامرهم.

* چالديران الحديثة: انقلاب في موازين الحرب .

حين فشل الغرب في زجّ كوردستان في حربٍ بالوكالة، غيّر اتجاه المعركة. نُقلت المواجهة إلى الجنوب، وأسندت القيادة الميدانية لإسرائيل، فيما اكتفت دول الخليج بلعب دور الحياد الرمادي.

بدأت فصول “چالديران الحديثة” تتشكّل من جديد، لكن هذه المرّة بصيغةٍ مختلفة: حربُ نفوذٍ لا حربُ حدود، وخرائط تُرسم بالتحالفات لا بالسيوف.

وفي هذه المعركة، كانت تركيا هي الرابح الأكبر، إذ خرجت بمناطق نفوذٍ جديدة وامتداداتٍ سياسية وعسكرية على حساب الجميع.

* يبقى السؤال: أين هو موقع كوردستان؟

بعد كلّ هذه التحولات، يقف السؤال اليوم على فوهة الجغرافيا:

هل سيكون إقليم كوردستان جزءًا من النفوذ التركي في الشرق الأوسط الجديد، أم سيصنع موقعه الخاص بوصفه مركز توازنٍ لا تابعًا لأيّ محور؟

الإقليم اليوم يقف أمام مفترقٍ تاريخي: إمّا أن يواصل نهجه في الواقعية السياسية الذكية، التي تحفظ له مكانًا بين الكبار، أو يُجبر على البقاء في الهامش الذي رسمته له القوى المتصارعة.

* الكلمة الأخيرة .

في معارك چالديران القديمة كان السيف يحكم، أمّا في چالديران الحديثة فالمصالح تحكم.

وكوردستان التي قالت “لا” حين كان الجميع يقول “نعم”، أثبتت أنّها لا تُباع في المزادات السياسية، ولا تُشترى بمصالح النفط.

هي كوردستان التي ترفض أن تكون حدودًا للآخرين، لأنها ما زالت تحلم أن تكون وطنًا كاملاً للكورد أجمعين.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…