لماذا يهلّل الإعلام العربي لزيارات رئيس لمرحلة انتقالية..؟. قراءة تحليلية في خلفيات التضخيم الإعلامي.

ماهين شيخاني

مقدمة: بين صورة الزعيم وصناعة الرواية

منذ أن برز اسم أحمد الشرع كرئيس للسلطة المؤقتة في سوريا، قبل نحو عشرة أشهر، تصاعدت وتيرة التغطية الإعلامية العربية لزياراته وتنقلاته — من جولاته الخليجية إلى رحلته الأخيرة نحو موسكو.

لكن وراء كل هذا الحماس الإعلامي، تكمن معادلات سياسية واقتصادية دقيقة تتجاوز حدود “الخبر العادي” إلى صناعة واقعٍ جديد تحاول بعض القوى الإقليمية رسم ملامحه في المشهد السوري المقبل.

 

فلماذا كل هذا التهليل..؟. وما الذي يجعل الإعلام العربي يضخّم تحركات الشرع بهذه الصورة..؟.

أولاً: من السلطة المؤقتة إلى الكرملين — حدث له رمزية خاصة

زيارة الشرع إلى موسكو ليست مجرد محطة بروتوكولية. إنها رسالة مزدوجة:

من جهة، يسعى الشرع إلى تثبيت نفسه كشريك دولي في إدارة الملف السوري،

ومن جهة أخرى، تريد موسكو أن تُظهر أنها لا تزال اللاعب الأهم في الجغرافيا السورية، حتى بعد سقوط النظام السابق.

تؤكد مصادر مطلعة أن اللقاءات تناولت قضايا شديدة الحساسية:

الوجود العسكري الروسي، مصير القواعد في طرطوس وحميميم، والملف القانوني لبشار الأسد، الذي تشير تقارير إلى أنه يعيش في موسكو منذ انهيار نظامه.

 

ثانياً: الإعلام الخليجي وتجارة “الترويج السياسي”

الاهتمام الإعلامي الخليجي بتحركات الشرع ليس عاطفياً ولا مجانياً، بل مرتبط بمصالح اقتصادية وسياسية واضحة:

الاقتصاد والإعمار: دول الخليج ترى في سوريا سوقاً ضخمة لإعادة الإعمار، وتحتاج إلى “وجه سياسي معتدل” يمكن التعامل معه. تلميع صورة الشرع يسهل فتح الأبواب أمام مشاريع واستثمارات ضخمة مستقبلاً.

رفع العزلة: تغطية مكثفة لزياراته تُمهّد لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا الجديدة، وتهيئ الرأي العام العربي لتقبّل مرحلة “ما بعد الأسد”.

بهذه المعادلة، يتحول الإعلام إلى أداة تمهيد سياسي واقتصادي، لا مجرد ناقل للأخبار.

 

ثالثاً: صناعة “البديل المقبول”

التهليل الإعلامي للشرع يهدف أيضاً إلى خلق بديل شرعي محسوب على قوى إقليمية محددة.

فبعد سقوط النظام السابق، تبحث العواصم العربية عن شخصية “غير إشكالية” تمثل الاستقرار، لا الثورة ولا المعارضة المتشددة.

وبالتالي، يتم تقديم الشرع كـ“واجهة انتقالية” يمكن إدماجها في أي صفقة إقليمية أو تفاهم دولي.

 

رابعاً: موسكو ومصالح البقاء

روسيا تدرك أن موقعها في سوريا لا يمكن أن يستمر بالقوة العسكرية وحدها.

زيارة الشرع تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها:

تأمين وجودها العسكري طويل الأمد.

إعادة تسويق نفسها كضامن للاستقرار.

اختبار حدود التعاون مع القيادة السورية الجديدة.

وبذلك، يتحول الإعلام العربي إلى مكبر صوت غير مباشر للدبلوماسية الروسية، عبر تغطية تُظهر أن “الشرع مقبول من الجميع”.

 

خامساً: واشنطن بين الحذر والبراغماتية

الولايات المتحدة، في المقابل، تتعامل ببرود محسوب.

فهي ترى في الشرع حليفاً أمنياً مؤقتاً أكثر من كونه شريكاً سياسياً كاملاً.

واشنطن تركز على استمرار مكافحة الإرهاب، لا على رسم ملامح الدولة السورية القادمة.

هذا الفراغ في الموقف الأميركي يُفسح المجال أمام الإعلام العربي لاحتلال المشهد وتضخيم دور الشرع كأنه “رجل المرحلة”.

سادساً: تغييب المكوّن الكوردي وتهميش التنوع السياسي

ثمة بُعد آخر للتغطية الإعلامية لا يمكن تجاهله:

فإبراز الشرع كرمز “وطني جامع” يخدم أيضاً هدف تخفيف الحضور الكوردي والمعارضات الأخرى في المشهد السياسي.

فبينما تُقلَّص مساحة الحديث عن مشروع الإدارة الذاتية في ( كوردستان سوريا)، تُضخَّم صورة الشرع كرمز “للوحدة الوطنية”.

بهذا، تتحول التغطية الإعلامية إلى أداة إقصاء ناعمة ضد مكوناتٍ سورية فاعلة لم يُسمح لها بعد بالمشاركة المتكافئة في صنع القرار.

 

سابعاً: علاقات عامة بتمويل سياسي

ما يجري ليس عفوياً.

تقارير عديدة تتحدث عن فرق علاقات عامة دولية تُدير حملة تلميع للشرع عبر لقاءات إعلامية مدفوعة، ومقالات تحليلية في صحف غربية وعربية، وحتى على مواقع بحثية.

إنها حملة تسويق سياسي متكاملة هدفها تثبيت صورة “الرئيس المقبول” قبل أن تُحسم المعادلات الميدانية والسياسية في الداخل السوري.

 

خاتمة: بين الصورة والواقع

ما نراه اليوم من تغطية إعلامية لزيارات أحمد الشرع هو جزء من لعبة إقليمية ودولية معقدة، تتقاطع فيها مصالح العواصم، وتتنازعها الرؤى حول مستقبل سوريا.

لكن ينبغي التذكير بحقيقة أساسية:

الشرعية لا تُصنع عبر الكاميرات، بل من داخل الأرض السورية نفسها.

من دون توافق وطني شامل، وإصلاح جذري، وعدالة سياسية، سيبقى “التطبيل الإعلامي” مجرّد صدى لصورة بلا عمق.

فالإعلام يستطيع أن يرفعك إلى الواجهة… لكنه لا يستطيع أن يحكم عنك.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…