حين اجتمع العالم ضدّ المقصلة الإيرانية!

نظام مير محمدي *

  إيران بين العقوبات والعدالة الغائبة

في لحظةٍ نادرة من الإجماع الدولي، التقت أصوات الضمير الإنساني من الشرق والغرب لتقول كلمةً واحدة: كفى إعدامات. من لندن، وفي اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، انطلقت الصرخة الأقوى ضدّ نظامٍ جعل من الموت مؤسّسة دولة ومن المقصلة قانون حكمٍ دائم. ما جرى في العاصمة البريطانية لم يكن حدثاً بروتوكولياً، بل إدانة صريحة لنظامٍ يعيش على الدم ويخاف من الحياة.

الاجتماع الذي احتضنته قاعة “تشرش هاوس” في لندن جمع أكثر من خمسمائة شخصية سياسية وحقوقية من أوروبا وأمريكا والعالم العربي، من برلمانيين ووزراء سابقين ومدافعين عن حقوق الإنسان. البيان الختامي الذي صدر عن المؤتمر كشف بالأرقام مدى فظاعة ما يحدث في إيران: شخص يُعدَم كل ثلاث ساعات ونصف، وأكثر من ألف ومئتي حالة إعدام خلال الأشهر التسعة الماضية فقط، بينها عشرات السجناء السياسيين والمتهمين بالانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

كان صوت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، حاضراً بقوة في هذا المؤتمر، مؤكدةً أن الإعدام هو اللغة الوحيدة التي يتقنها نظام الملالي حين يفقد السيطرة على المجتمع. فالإعدامات ليست “أحكاماً قضائية” بل قرارات سياسية هدفها بثّ الرعب في الشوارع ومنع الانتفاضات. وقد دعت رجوي المجتمع الدولي إلى وقف “المتاجرة بحقوق الإنسان” وربط أي علاقةٍ مع طهران بوقف الإعدامات فوراً.

لكنّ المشهد في الداخل الإيراني أكثر قتامة. فبعد تفعيل “آلية الزناد” وعودة عقوبات الأمم المتحدة، دخل الاقتصاد الإيراني في مرحلة انهيارٍ حادّ: تراجع الريال إلى مستويات قياسية، وارتفعت الأسعار بنسبة تفوق 70 في المئة، وامتدت البطالة إلى أكثر من 40 مليون شخص وفق أرقامٍ منشورة في صحف النظام نفسه. ومع تقلّص العائدات النفطية وإغلاق طرق الالتفاف على العقوبات عبر تركيا والعراق والصين، باتت خزائن الحرس الثوري وخامنئي في حالة نزيفٍ مالي مستمرّ.

في هذا السياق، تحوّلت الإعدامات إلى وسيلةٍ بديلة لإثبات السيطرة. فحين يعجز النظام عن دفع رواتب موظفيه أو كبح الأسعار، يلجأ إلى حبل المشنقة لإسكات الغضب الشعبي. كلّ فجرٍ جديد في إيران يعني مجموعةً جديدة من الأسماء تُعلّق على أعمدة الخوف. ومع كل عملية إعدام، يزداد الشرخ بين السلطة والشعب، وتتفكّك أكثر أركان الدولة.

العقوبات من الخارج والمشانق في الداخل يلتقيان ليشكّلا دائرة خانقة حول نظام ولاية الفقيه. لم تعد طهران قادرة على تبرير أزماتها بالغرب أو “الأعداء الخارجيين”، فالشعب يدرك أنّ أصل البلاء في بنية الحكم نفسها: في الفساد المنظّم ونهب الثروات، وفي الأجهزة الأمنية التي تحوّلت إلى دولة فوق الدولة.

وفي الوقت الذي كانت لندن تشهد فيه تظاهرة أخلاقية ضدّ الإعدام، كان النظام الإيراني يعيش حالة فزعٍ غير مسبوقة بعد أن فقد أوراقه الإقليمية واحدةً تلو الأخرى. فالاتفاقات التي أُبرمت في شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة، وتقدّم مسار السلام في المنطقة، كشفت عجز النظام عن التأثير في المعادلات الجيوسياسية الجديدة. ومع كل خطوة نحو السلام، يخسر خامنئي ذريعته الأيديولوجية التي بنى عليها شرعيته الزائفة.

اليوم، تتضافر الضغوط الاقتصادية والسياسية والحقوقية لتشكّل خريطة طريقٍ واحدة: عزلة تامة للنظام ومساءلة شاملة لرموزه. فبينما يعيد العالم فرض العقوبات المالية عليه، تتجه المنظمات الدولية إلى ملاحقة جرائمه ضد الإنسانية. وبذلك يتحول ملف الإعدامات من شأنٍ داخلي إلى قضية عالمية تمسّ الضمير الإنساني برمّته.

النظام الذي عاش على تصدير الموت يجد نفسه اليوم محاصَراً بثقافة الحياة. لم يعد القمع يحميه، ولا الدعاية تنقذه، ولا المال يغطي فساده. إنه نظامٌ يواجه لحظة الحقيقة: إمّا أن يتغيّر أو ينهار.
ومن لندن التي أعلنت رفضها للمشانق، إلى شوارع طهران التي تتهيأ لجولةٍ جديدة من الغضب الشعبي، تتردّد الرسالة ذاتها:
لا للإعدام، لا للاستبداد، نعم للحرية في إيران.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…