استثمار الرهينة

ماجد ع محمد

جدَّد وزير الدفاع التركي يشار غولر، خلال تفقده تدريباتٍ للجيش التركي في أنقرة، يوم السبت الفائت، دعوة بلاده إلى ضرورة وقف حزب العمال الكردستاني وجميع التنظيمات التابعة له أنشطتها في إطار الدعوة التي وجهها مؤسس الحزب السجين في إمرالي عبد الله أوجلان لحل كياناته، وقال الوزير التركي إن “على جميع أذرع التنظيم التي تعمل تحت تسميات مختلفة وفي مناطق جغرافية مختلفة، وخاصة في سوريا، أن تسلم أسلحتها فوراً ودون قيد أو شرط”. فتركيا التي تعتبر أوجلان أكبر إرهابي لديها، إلا أنها في الوقت ذاته تحاول قدر المستطاع استثمار تأثيره المعنوي على أنصاره والاستفادة من وجوده في قبضتها عبر الضغط عليه كي يعطي الأخير إرشاداته لحزبه بما يتناسب مع مصالح أنقرة.

ولتمرير مشاريعها الاستراتيجية المتعلقة بالداخل السوري وخاصةً في ما يخص الشأن الكردي، تعمل أنقرة منذ فترة ليست بقصيرة بآلية عمل البيطار، أي: “ضربة على الحافر وأخرى على المسمار”. فمن أجل الوصول لمبتغاها مرةً تكون لهجتها قاسية جداً والحرب على لسانها، ومرةً أخرى تخفِّف من لغتها التهديدية وتريد من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ضمنياً أن تستمر في الإنصات لتعليمات زعيم حزب العمال الكردستاني الأخيرة، ذلك الزعيم الذي يراه طيفٌ لا بأس به من المثقفين الكرد أنه بمثابة “الرهينة” في إمرالي، أي أنه شخص غير حر برأيه ومن احتجزه أو اختطفه يفرض عليه ما يريد، وأن الجهاز الأمني الذي خطفه في كينيا يُملي على المخطوف كامل شروطه، وذلك في إشارةٍ إلى مضامين رسائل أوجلان في الآونة الأخيرة التي يعزف فيها بشكلٍ واضح على الوتر الذي لا يُعجب غير أنقرة، وعلى وجه الخصوص سعيه لأن يتخلى أنصاره في سوريا عن سلاحهم، وكذلك الأمر من خلال محتوى رسائله التي تبغي إحداث الشرخِ أو فك الارتباط ما بين قوات سوريا الديمقراطية وواشنطن، بينما في الوقت ذاته فتتهم تركيا قوات (قسد) بارتباطها الوثيق بحزب العمال الكردستاني، وبناءً عليه تشن غاراتها السياسية حيناً والعسكرية أحياناً على تلك القوات في الداخل السوري.

فهي من جهة تحاول استثمار كارزمية أوجلان الذي تحوَّل عبر تعظيمه على مدارِ سنواتٍ طويلة من قِبل قيادة حزبه والمحيطين به إلى ما يشبه المعبود لدى حشدٍ كبيرٍ من عشاقه، وذلك عندما يقوم أوجلان بدس المطلوبِ منه بين السطور التي يبعثها تِباعاً من معتقله كرسائل موجّهة إلى أنصاره والمتعلقين به سواءً في جبال قنديل أم في سوريا.

ومن جهةٍ أخرى فإنَّ أنقرة تحث تلك القوات على الانضمام إلى الحكومة السورية الجديدة من أجل اندماجها فيها، وبالتالي التخلص بحنكة وذكاء من قدراتها العسكرية، وفقدان خصوصيتها، وانتزاع حكومة الشرع المناطق التي تسيطر عليها تلك القوات، وهو ما سيُفضي في الختام إلى تفكيك تلك القوات كلياً وانحلالها في الدولة، والخروج أخيراً من المولد بلا حمص، أي تخرج قوات سوريا الديمقراطية صفر اليدين بعد تقديم الآلاف من الضحايا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

لذا، فإن استمع الحزبُ إلى خطابِ أوجلان بخصوص العلاقة مع واشنطن، ونفّذت قيادة الحزبِ نداءه المتعلق بإبعاد قوات سوريا الديمقراطية عن واشنطن، ستكون تركيا قد وصلت لمرادها الأهم، وبالتالي تكون طبختها استوت وحان وقت أكلها، بما أن حجة محاربة حزب العمال الكردستاني بالأصل جاهزة لديها على الدوام، وتكون حينئذٍ ذريعة للتدخل العسكري والهجوم على تلك القوات وجعل منطقة الجزيرة السورية كمناطق عفرين ورأس العين وتل أبيض، وإن لم تنجح تلك الخطة فتكون قد فلحت في المسار الآخر، أي تكون قد تخلصت من هم القضية الكردية الذي شغل ويشغل بالها منذ بداية الحراك الجماهيري في سوريا، وذلك عبر ذوبان قوات سوريا الديمقراطية بجسم الحكومة الجديدة وإنهاء منطقة نفوذ الإدارة الذاتية ومن ثم اضمحلال الخصوصية الكردية؛ وهي إلى جانب كل السيناريوهات الجانبية ما تزال حتى اللحظة ترمي لإنجاح إحدى الخطتين الرئيسيتين بناءً على معرفتها السابقة والعميقة بتركيبة قيادة حزب العمال الكردستاني، إضافةً إلى قدرتها على استثمار “القائد الرهينة” لديها، وذلك من خلال تحريك المرتبطين به أو تغيير مسارهم كما ترغب حتى آخر رمق؛ ويظهر أنه من فرط ثقة أنقرة بنفسها وبأذرعها داخل ذلك الحزب المحظور ربما لا يخطر على بالها قط الاحتمال الثالث، أي أن المُعتَقَل لديها صحيحٌ بأنه ما يزال يُعامل كرمز كبير ومهم لدى جمهوره، وكذلك الأمر ما يزال محلَ التبجيلِ في مناهج الإدارة الذاتية التابعة لقسد، إلاًّ أن كلامه في الحقيقة لم يعد مسموعاً لديهم، ولا إملاءاته باتت تُنفّذ من قِبلهم، هذا بالرغم من عدم إعلانهم ذلك.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…