بين السبورة والصحيفة والقضية: توفيق عبدالمجيد سيرة مناضل لم يساوم!

إبراهيم اليوسف

يمرّ الغياب على هيئته الكاملة حين يُذكر اسم الكاتب الكردي توفيق عبد المجيد. صديق بداياتي في مرحلة التعليم، رفيق المهنة، الكلمة، وأحد أولئك الذين ظلّوا مخلصين لفكرة التعليم كرسالة، لا كوظيفة، كأحد أشكال نضاله في سبيل قضية شعبه. عرفته منذ الثمانينات، في ثانوية عربستان، وفي معهد إعداد مدرّسي العربية، ثم في معهد إعداد المعلمين، حيث جمعتنا السبورة، وهاجس أن يكون للعلم دوره في الحياة لا في الكتب وحدها.

كان من أوائل من وافقوا على تأسيس رابطة الكتاب الكرد في سوريا، ومن أوائل من انخرطوا في منظمة حقوق الإنسان في سوريا- ماف، مؤمناً أن الكلمة مسؤولية، وأن العدالة لا تُطلب بالهتاف، بل بالعمل الدؤوب. أعاقته الموانع التنظيمية، لكنه لم يتراجع. إلا أنه بقي من عداد الأوفياء الذين يحفظون العهد في السرّ كما في العلن.

كرّس عمره لأسرته، لشعبه، لقضيته، وعمل في التعليم ما يقارب أربعة عقود، حمل فيها همّ التنوير إلى قاعات مكتظة، ومقاعد باردة، وقلوب عطشى. كان وفاؤه لحزبه نادراً، لا يبتغي منه منصباً ولا تميّزاً، بل نتيجة وفاء نابع من يقين لا يُزعزع. عمل في إعلام -البارتي-، فارتفع الخط البياني لصوته، وبلغ الإعلام في مرحلته أوجه، حتى حين أحاطته التهديدات وضاقت عليه الأرض.

 

قيل له يوماً: “ستُقتل”، فاضطر إلى اللجوء إلى تركيا. هناك واصل عمله، لكنه لقي خذلاناً مما سمي- الائتلاف- مع بعض من رآهم رفاق درب في المعارضة، إذ كان يتم تفضيل أبناء وذوي ومقربي المسؤولين- في وقائع معروفة- على الكفاءات في إعلام المعارضة وحتى مؤتمراتها. لكنه ظلّ رغم ذلك يحمل وجعه بصمت، ويواصل الكتابة بإصرار الصادقين.

أنهكه تجلّط الدم، الذي داراه بالعلاج، على أتمه، كلما تآمر عليه، في خطة وهجوم جديدين، لكنه لم يُطفئ فيه الرغبة في الفعل، إلى أن تعب من مواجهات عديدة، كان المرض من بينها. تولّى موقع نائب رئيس تحرير -القلم الجديد-، وكان من أعضاء الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا. اضطر بعد أن عاد إليه، بعد انتفاء داعي الابتعاد، إذ كان قد غادره تحت ضغط التجاذبات، لكنه عاد إليه بعد زمن، وقال لي يومها: إبراهيم، لقد ألزموني…!

 وكانت الغصّة واضحة في صوته.

كتب عن كل ما يهم شعبه. عن البارزاني الخالد. عن الرئيس مسعود. عن كل تطورات تلك المرحلة، كتب عن كثير من أصدقائه في محنهم، وكتب عن الناس كما لو كان يكتب عن نفسه. في انتفاضة الثاني عشر من آذار، كان صوته بيننا حاضراً، ينقل الانتهاكات إلى بيتنا الذي سمّاه غرفة العمليات. كان الصلة بيننا وبين مجموع الأحزاب الكردية، يوافي الأسماء، ويُسعف الرسائل، ويحوّل الخطر إلى فعل تضامن.

رحيله خسارة، ليس لأنه رحل فحسب، بل لأن من يشبهونه قلّة. لم يُذكر كما يستحق، ولم يُنصفه الذين أفادوا من صدقه وصبره. لكنه باقٍ في ذاكرة الذين عرفوه عن قرب، أولئك الذين ما زالوا يرون في المعلم والمثقف الحقيقي شجرة ظلّها مديد، حتى بعد أن يرحل عنها الماء.

رحمك الله يا صديقي أبا نيرودا، الأصيل، يا ابن الوفاء والطيبة والنبل التي لم تفسدها فيروسات النميمة والمؤامرة والخيانة والغدر.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…