حين تصبح الواقعية ضرورة.. لا مجال لتكرار أي خطأ

نورالدين عمر 

تشهد الساحة السورية والإقليمية مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية مع تعقيدات الواقع المحلي. وفي خضم هذه الظروف، برز توافق واضح في الرؤى بين قوات سوريا الديمقراطية من جهة، وحكومة إقليم كوردستان من جهة أخرى، تجاه ضرورة إيجاد مخرج سياسي متوازن يضمن الاستقرار ويحمي مكتسبات الشعب الكردي وبقية مكونات شمال وشرق سوريا.

لقد جاءت مواقف كل من رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني ورئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني منسجمة إلى حد كبير مع تصريحات القائد العام لـقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في تأكيدهم على ضرورة الحل السياسي، ورفضهم الانجرار وراء التصعيد غير المحسوب. إلا أن بعض الأصوات لا تزال تصر على انتقاد هذا التوجه، مطالبة الجنرال-خاصة بعد مقابلته التلفزيونية الأخيرة- بتحقيق إنجازات خارقة، من دون إدراك حجم المخاطر الإقليمية والدولية التي تضع المنطقة في مرمى التهديد الدائم.

المفارقة المؤسفة أن هذه الأصوات نفسها التي تعارض أي تفاهم أو تقارب مع الحكومة السورية، ستكون على الأرجح أول من يحمل القيادة الكردية مسؤولية أي كارثة قد تقع، كما حدث في عفرين وسري كانيه وتل أبيض، عندما تحول التردد وغياب الرؤية الواقعية إلى خسائر بشرية وجغرافية مؤلمة.

في ظل هذه الظروف المعقدة، تبدو الواقعية السياسية الخيار الوحيد المتاح أمام القوى الوطنية الكردية والسورية، من أجل حماية ما تحقق من مكاسب. الواقعية لا تعني التخلي عن المبادئ أو الحقوق، بل تعني إدارة الصراع بحكمة، وبناء شبكة علاقات وتحالفات متينة، وفتح قنوات تفاوض مع الأطراف الفاعلة بما فيها دمشق، على قاعدة الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح.

وهنا يبرز الدور الحيوي للحركة الكردية والأحزاب السياسية في شمال وشرق سوريا، وبشكل خاص أحزاب المجلس الوطني الكردي وأحزاب الوحدة الوطنية. إن مسؤوليتها لا تقتصر على التعبئة الجماهيرية أو إدارة مناطق الإدارة الذاتية، بل تتعداها إلى دعم العملية السياسية بكل أدواتها، والدفع نحو صيغة دولة سورية لا مركزية، تعددية وديمقراطية، تضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي وباقي المكونات السورية، والأهم التمسك بالرؤية السياسية الموحدة. هذه الرؤية ليست فقط طموحا كرديا مشروعا، بل هي أيضا مفتاح الاستقرار المستدام لسوريا المستقبل.

كما أن المشاركة الكردية الفاعلة في أي عملية سياسية شاملة تعزز من فرص الوصول إلى دستور جديد، يعترف بالتنوع القومي والديني، ويكرس مبدأ توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، ويمنع عودة مركزية الحكم التي كانت أحد أسباب الصراع الطويل.

إن التجارب التاريخية، وخصوصا ما حدث في شرق كردستان في ثمانينيات القرن الماضي، تؤكد أن تجاهل الواقع الإقليمي والدولي، والاعتماد على الشعارات وحدها، يقود إلى خسائر فادحة. أما القراءة الواعية للمشهد، والمشاركة الذكية في رسم ملامح المستقبل، فهما الطريق الوحيد لتجنب تكرار المآسي.

باختصار، شمال وشرق سوريا اليوم أمام مفترق طرق حاسم:

إما أن تختار القيادات الكردية والقوى السياسية طريق الواقعية والتفاوض والمشاركة الفاعلة في بناء سوريا الجديدة، أو أن تدفع المنطقة ثمن العزلة والتصلب السياسي. إن دعم العملية السياسية، وبناء تحالفات متينة مع الداخل السوري ومع القوى الإقليمية والدولية، هو الطريق الأكثر أمانًا لتحقيق طموحات الشعب الكردي في الحرية والكرامة والاعتراف بحقوقه ضمن دولة ديمقراطية لا مركزية وتعددية.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…