القضية الكردية بين السياسة والسلاح

نورالدين عمر 

من الحقائق الثابتة أن السلطة في دمشق كما في أنقرة لا تزال حتى اليوم غير مستعدة للاعتراف بحقوق الكرد الدستورية أو ضمانها بشكل حقيقي، لكن، ورغم هذه الحقيقة المؤلمة، لا يمكن أن يكون ذلك مبررا للجوء إلى السلاح أو إغلاق أبواب الحوار. فالسياسة، بما تتيحه من أدوات دبلوماسية وضغط دولي وتحالفات، تستطيع أن تمنح الكرد مكاسب أوسع وأعمق وأكثر استدامةً مما يمكن تحقيقه بالعنف أو المواجهات العسكرية.

السلاح يستخدم عندما تكون جميع الخيارات الأخرى قد استنفدت، وعندما لا يبقى أمام الشعب أي سبيل سوى المقاومة المسلحة دفاعًا عن الوجود. أما في الحالة الكردية اليوم، فما زالت هناك بدائل كثيرة وخيارات متعددة يمكن استثمارها. هناك دعم متزايد للقضية الكردية على المستويين الدولي والعالمي، وهناك حالة من التقارب والتفاهم بين معظم القوى السياسية الكردية، إضافةً إلى وجود قوى منظمة ومؤثرة في جميع أجزاء كردستان، وهو ما يمنح القضية الكردية زخمًا أكبر على الساحة السياسية.

كما أن بعض التصريحات الدبلوماسية من هذا الطرف أو ذاك لا تعني التنازل عن القضية أو التراجع عنها. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يكرر في خطاباته الأسبوعية حديثه عن الأخوة التركية ـ الكردية ـ العربية. ونحن ندرك جيدا أنه لا يقصد بها اعترافا حقيقياً بحقوق الكرد، وإنما يوظفها في إطار لعبته السياسية. وبالمثل، حين يتحدث صلاح الدين دميرتاش عن الأخوة أو عن الجمهورية الديمقراطية، فهذا لا يعني أنه تخلى عن القضية الكردية أو تنازل عنها، بل هو أيضا يمارس السياسة بحساباتها وتعقيداتها. لكن بالمحصلة تصريحات عن الإخوة التركية-الكردية تزعج القوميين الترك والكرد معا.

تؤكد التجارب العالمية أن طريق السياسة، رغم صعوبته وبطئه، هو الأكثر نجاحا. ففي جنوب أفريقيا، نيلسون مانديلا ورفاقه قاوموا لعقود، لكن التحول الحقيقي جاء عبر المفاوضات السياسية مع نظام الفصل العنصري حتى تحقق الانتقال السلمي نحو الديمقراطية. وفي إيرلندا الشمالية، بعد سنوات طويلة من العنف بين الجيش الجمهوري الإيرلندي والحكومة البريطانية، لم يكن الحل في السلاح، بل في اتفاق “الجمعة العظيمة” الذي أنهى الحرب وفتح الطريق أمام مشاركة سياسية للكاثوليك والبروتستانت. أما في إقليم كردستان، فرغم أن الكرد اضطروا لحمل السلاح ضد السلطة لسنوات، إلا أن الإنجاز الأكبر لم يكن عبر المعارك، بل عبر استثمار الدعم الدولي والحوار مع القوى الكبرى والقوى السياسية العراقية حتى تحقق اعترافًا بإقليم فدرالي في دستور 2005.

في هذه المرحلة، العواطف الجياشة، والشعارات البراقة، والتهديدات العالية الصوت، لن تخدم القضية الكردية ولن تحقق أي مكسب ملموس، خاصة في روجافا وشمال كردستان. فالقضية الكردية اليوم بحاجة إلى عقول سياسية هادئة ورصينة، تمتلك القدرة على قراءة المشهد الكردي بدقة، وفهم التوازنات الإقليمية والدولية بوعي، ثم رسم سياسات واقعية تتناسب مع هذه المعطيات.

الخيار أمام الكرد ليس بين السلاح أو الاستسلام، وليس بين العنف أو التخلي عن القضية، بل بين العاطفة أو العقل، بين الشعارات العابرة والبراقة أو الاستراتيجيات العميقة. وما أثبتته التجارب أن الحقوق تنتزع بالسياسة الذكية والتحالفات القوية، لا بالاندفاع غير المحسوب. ومن المهم أن نشير إلى أن كل هذا لا يلغي أهمية السلاح في مراحل معينة، كما لا يعني التخلي عن السلاح حالياً في حالة روجافا. 

باختصار القضية الكردية اليوم على أبواب فرصة تاريخية، والرهان على العقل السياسي سيكون السبيل الأضمن لتحقيق إنجازات حقيقية ودائمة.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…