الكونفراس الكردي : بين الوفد المشترك ودور ENKS

اكرم حسين 
تظهر التجارب السياسية ، سواء على المستوى السوري العام أو الكردي الخاص، بانّه : لا المؤتمرات الدولية، ولا القرارات الأممية، ولا حتى الاحتفاء بالاتفاقات الوطنية، قادرة وحدها على إحداث التغيير إذا لم تُترجم إلى افعال يومية وإرادة سياسية حقيقية . هذا ما تعلمناه من القرار الدولي 2254 الذي شغل العالم ، ثم انتهى على رفوف النسيان ، وهذا ما يجب أن نتحاشاه  في “كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي” الذي انعقد في 26 نيسان 2025، وحُظي بترحيبٍ دولي وشعبي غير مسبوق، لكنه يواجه خطر أن يبقى حبراً على ورق في غياب إرادة حقيقية لتفعيله؟.
تكمن أهمية الكونفراس  في كونه أول لقاء جمْعي يُؤسس لرؤية كردية مُوحدة في سوريا ، ويضع لبنة أساسية لمشروع قرار كردي  يستند إلى التوافق الداخلي  حيث  تَلاقى في هذا الكونفراس طرفان رئيسيان ENKSوPYD كانا لعقدٍ وأكثر في حالة صراعٍ وتباينٍ عميق، فانتقلا إلى نقطة وسطى اتفقا فيها على رؤيةٍ “قومية ووطنية ” ووفدٍ كردي مشترك يُفاوض باسم الكرد في سوريا. حيث تُعتبر هذه الخطوة، بحد ذاتها، تحوّلاً تاريخياً في المسار الكردي السوري ، إذْ أسست لوعيٍ جديدٍ يرى أن وحدة الصف ليست شعاراً نظرياً ودعائياً  بل أداة قوة وتقرير مصير.
غير أن النقاش الذي برز لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي والذي يتعلق بدور كل طرف داخل هذا المعطى الجديد بات مُقلقاً. فالبعض حاول أن يُصوّر الكونفراس على أنه  تجميد لنشاط المجلس الوطني الكردي ENKS) ) في المحافل الإقليمية والدولية  بحجة أن  هذا النشاط يتعارض مع روح الكونفراس ويُهدّد فكرة الوفد المشترك ، والحقيقة أن هذا التصور مبني على قراءة سطحية تحتوي على مغالطات  أو ربما رغبة في تعطيل وتهميش المجلس . فالمطلوب من ENKS ليس الانكفاء أو الاكتفاء بالانتظار، بل الانخراط الفاعل في الساحتين الإقليمية والدولية، واستثمار شبكة علاقاته لتحويل مخرجات الكونفراس إلى قوة دافعة. لأن هذا النشاط لا يتناقض مع فكرة الوفد المُشترك، بل يعزّزها ويمنحها بُعداً إضافياً من الشرعية السياسية والقدرة على التأثير.؟
المطلوب اليوم ليس أن تجلس قيادة  ENKS وتنتظر “دعوةً ” لبدء العمل السياسي، فهذا لن يحصل إطلاقاً، بل عليها أن تتحرك بخطوات ملموسة في دمشق وفي كافة  العواصم المُؤثرة، وأن تدفع باتجاه جعل الرؤية الكردية المشتركة بنداً ثابتاً على جدول أي نقاش إقليمي أو دولي حول مستقبل سوريا. وفي المقابل، فإن PYD مدعو أيضاً إلى الالتزام بمبدأ الشراكة وعدم الانزلاق إلى التفرد في القرار أو توظيف الأمر الواقع الميداني لحساب مصالح ضيقة. لأن التوازن بين الطرفين، في إطار مخرجات الكونفراس ، هو الشرط الضروري لإنجاح أي خطوة لاحقة ، وهنا ينبغي التحذير من نقطة جوهرية: وهو أن الوحدة الكردية لا يمكن أن تكون بديلاً عن البعد الوطني السوري . لأن القضية الكردية جزء لا يتجزأ من القضية السورية العامة ، وأي محاولة لإغفال هذا البعد أو عزله ستقود إلى نتائج عكسية، إذ ستُسهل على القوى الإقليمية والداخلية شيطنة الجهد الكردي واتهامه بالانعزال أو الانفصال كما يحصل الآن ، وبالتالي فإن الوفد الكردي المشترك يجب أن يُقدَّم بوصفه إضافةً نوعيةً للعملية السياسية السورية، بحيث يضع الحقوق القومية في إطار رؤية وطنية شاملة تضمن الديمقراطية والشراكة لكل المكونات.
الكونفراس ليس  نهاية المطاف، بل بداية مسار ،  وإذا جُمّد هذا المسار عند مستوى لقاءات محلية  و”تصريحات إعلامية “، فلن نكون قد فعلنا أكثر من تكرار تجربة 2254 في ثوب قومي. لذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل مخرجات الكونفراس إلى مؤسسات وآليات عمل: لجنة متابعة، بيانات مشتركة ، آليات تفاوض موحدة، وخطة تحرك داخلية وخارجية باسم الوفد الكردي ، مرجعية كردية ، شراكة حقيقية . من دون هذه الخطوات وغيرها ، ستظل الإنجازات النظرية معلقة في الهواء، وسيبقى الباب مفتوحاً أمام الانقسام والتوظيف من جديد …!
اليوم ، ينتظر الشعب الكردي في سوريا ، بعد كل التضحيات والانقسامات والتجارب، فعلاً سياسياً ملموساً يعكس وحدته ، ولذلك يجب أن لا تصبح هذه الوحدة عبر الوفد المشترك مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، بل ضرورة وطنية وقومية لحماية الحضور الكردي في أي عملية تفاوض سورية شاملة. فنشاط ENKS السياسي ، إلى جانب قوة PYD في الداخل، إذا وُظّفا معاً في إطار المخرجات المشتركة، سيشكلان ضمانة حقيقية لتعزيز موقع الكرد في المعادلة  الوطنية السورية  ، وفي الوقت ذاته أرضية لاستقلالية القرار الكردي وحمايته من الضغوط الإقليمية والدولية
 باختصار، الكونفراس الكردي  خطوة تأسيسية مهمة، لكن نجاحه مرهون بالتزام الطرفين معاً: لا وقت للانتظار والجمود، ولا مكان  للتفرد والمساومة. وحده القرار الكردي السوري ، والمتكئ على وحدة الصف والموقف، والمندمج في السياق السوري العام، قادر على أن يجعل من الوفد المشترك قوة تفاوضية حقيقية، تنقل القضية الكردية إلى موقع الفعل المؤثر في مستقبل سوريا.؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…