أوراق “الأصدقاء” وتهديدات “السيف”: تناقضات الخطاب التركي تجاه االكورد

عبدالباقي اليوسف

يُظهر الخطاب الأخير للمسؤولين الأتراك، وتحديداً تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، تناقضًا صارخًا في التعامل مع القضية الكوردية. فبينما يلوحان بغصن الزيتون للكورد السوريين، تتجلى تهديداتهما المبطنة التي تعود إلى عقود من السياسات التركية تجاه الشعب الكوردي. هذا المقال يحلل هذه التصريحات، ويفكك دلالاتها، ويطرح تساؤلات حول أهدافها الحقيقية.

في 26 أغسطس، أطلق الرئيس التركي تصريحًا مثيرًا للجدل في موش، معقل الكورد في تركيا، حيث قال إن “تركيا هي الضامن لأمن وسلامة الكورد في تركيا وسوريا… ومن يتجه نحو أنقرة ودمشق هو الرابح”. بعد يومين، أكد وزير الخارجية هاكان فيدان هذه الفكرة، كاشفًا أن “العديد من الأحزاب الكوردية الصديقة لتركيا في سوريا”، في إشارة إلى المجلس الوطني الكوردي (ENKS)، قد تواصلت مع أنقرة طالبةً المساعدة.

تثير هذه التصريحات تساؤلات حول ماهية “الضمان” التركي للكورد. هل يمكن لدولة تدعي أنها الضامن لأمن شعب، أن يهدد رئيسها صراحةً بـ “سحب السيف من غمده”؟ هذا التناقض الصارخ يعيد إلى الأذهان سياسات القمع التي مارسها الأتراك تاريخيًا ضد الكورد، بدءًا من التخلي عن وعود مصطفى كمال للكورد بـ”تركيا مشتركة” بعد عام 1923، مما أدى إلى ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وصولًا إلى حملات التطهير التي استهدفت اللغة والثقافة والهوية الكردية. إن المطالب الكوردية لا تقتصر على الأمن وحسب، بل تتجاوزه إلى الحقوق الدستورية والاعتراف بالهوية، وهي حقوق لا يمكن للدولة التركية أن تمنحها، بل هي حقوق يضمنها القانون الدولي والمواثيق الأممية.

كل الحركات الكوردية المسلحة في تركيا الحالية، بما فيها حركة حزب العمال الكوردستاني عام 1984، قد جاءت بسبب عدم  الاعتراف الدستوري بالوجود الكوردي وحقوقه. لو كانت الحكومة التركية مؤمنة حقًا بـ “التآخي الكردي-التركي” كما تدعي، لكانت أقدمت على خطوة أساسية قبل أي حوار: الإعلان عن اللغة والثقافة الكردية وجعلهما رسميتين في البلاد. لكن هذا لم يحدث.

 في سوريا، تصر أنقرة على استسلام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والاندماج كأفراد في القوات السورية، والتي هي في الحقيقة فصائل مسلحة كانت وما زالت معظمها على قوائم الارهاب الدولية، وهي التي ارتكبت جرائم ضد الأقليات مثل العلويين في الساحل السوري، والدروز في السويداء، والاعتداء وتفجير اماكن عبادة المسيحيين، حسب العديد من التقارير، كما ان الفصائل التابعة لتركيا شاركت بفعالية في تلك الحملات لإبادة تلك المكونات السورية.

 

من هم “الأصدقاء” في قاموس السياسة التركية؟

يُفصح هاكان فيدان عن وجود “أحزاب كوردية صديقة” تريد التنسيق مع تركيا، في إشارة إلى المجلس الوطني الكوردي. لكن من هم هؤلاء “الأصدقاء”؟ في قاموس السياسة التركية، “الكوردي الجيد” هو ذلك الكوردي الذي يتعامل مع أنقرة وينفذ أجنداتها ضد شعبه. هذا المفهوم يعيد إلى الواجهة الأسئلة القديمة حول علاقة المجلس الوطني الكوردي بتركيا.

كان المجلس الوطني الكوردي على علاقة جيدة مع تركيا، وعضوًا في الائتلاف الوطني السوري الموالي لها إلى ان حُلّى الإئتلاف الوطني السوري ، ومع ذلك لم يتمكن من تثبيت الحقوق الكوردية في وثائق هيئة المفاوضات أو في حوارات جنيف. لماذا؟ لأن تركيا، وفقًا لشهادات شخصيات بارزة مثل الدكتور برهان غليون، كانت تمارس ضغطًا مستمرًا على المعارضة لرفض إدراج أي حقوق واضحة للكورد. هذا يكشف أن تركيا لم تكن تدعم “أصدقاءها” الكورد، بل كانت تستخدمهم كأداة لتحقيق أهدافها الخاصة، وهي منع أي اعتراف بالحقوق القومية للكورد في سوريا.

إن دعوة المجلس الوطني الكوردي لحضور معرض دمشق الدولي، بعد خطاب أردوغان، يمكن أن تُفسر على أنها محاولة جديدة من جانب تركيا للضغط على المجلس وشق الصف الكوردي، بهدف إضعاف الرؤية الكوردية الموحدة لسوريا المستقبل، والتي تم الاتفاق عليها في المؤتمر الوطني الأخير في 26 ابريل الماضي.

إن هذه التناقضات في الخطاب التركي، والسياسات المتبعة على الأرض، تُظهر أن أنقرة لا تبحث عن حل عادل للقضية الكوردية، بل تسعى إلى إخضاع الكورد لسلطتها وأجنداتها، تحت ستار “التآخي” و”الضمان”. إن الجواب على هذه الأطروحات ليس مطلوبًا من وزير الخارجية التركي، بل من المجلس الوطني الكوردي نفسه، بالرد على اتهامات هاكان فيدان، ويجب أن يوضح لشعبه ماهية هذه “الصداقة” التي يصفها فيدان، وما هي الضمانات التي حصل عليها في مقابل التوجه نحو أنقرة ودمشق. هل هذه الخطوة مجرد وسيلة جديدة لتجزئة الصف الكوردي أم أنها ستأتي بالفعل ببعض الحقوق؟

 29/8/ 2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…