الكرد والظاهرة الصوتية.. تحت تأثير ثقافة الشركاء

إبراهيم اليوسف

إلى عبدالله القصيمي في ذكراه!

لطالما كانت العلاقة بين الكرد والعرب جزءاً أساسياً من التاريخ والجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، حيث عاش الكرد عبر قرون جد طويلة من الزمن في مناطق متقاربة مع أخوتهم العرب في ظل الإمبراطوريات العثمانية والفارسية وغيرها. ومع تبادل التأثير مع الثقافات الكبرى، تداخلت الهويات وأصبحت ثقافات شركاء التاريخ والجغرافيا أحد أكبر المؤثرات على مساحة لا بأس بها من ثقافات الأمم الثلاث، بما في ذلك التأثير على العقل الكردي، ولاسيما في مجالات الخطاب السياسي والثقافي، رغم وجود الأرومة الخاصة في المجالات المذكورة كافة، للكرد، كما كل من شركائهم التاريخيين. لكن رغم ذلك، لم يستطع الكرد، وبعكس شركائهم هؤلاء، أن يؤسسوا دولة مستقلة تضمن لهم التحرر الكامل من تأثيرات هذه الثقافات، من خلال تكريس تضحياتهم في سبيل خدمة الرباط الجامع الأكبر.

هذه الحقيقة التاريخية تلقي الضوء على ظاهرة مستمرة في بعض الأوساط الكردية: الظاهرة الصوتية، إلى حد ما. يمكننا أن نرى أن هذا التأثر الثقافي قد أدى إلى تطور ثقافة تقوم على الخطاب أكثر من الفعل، على التنظير أكثر من البناء، على المزايدة- من قبل بعضنا- على الأيديولوجيات أكثر من المبادرات العملية. هذه الظاهرة الصوتية هي نتاج طويل من العيش المشترك مع الأخوة العرب*، حيث انتقلت عادات الخطابة والتأثير بالقول عبر الأجيال، لتصبح جزءاً من مكونات الثقافة الكردية في العصر الحديث، رغم توافر العلامات الفارقة التي يحتكم إليها المثقف النخبوي، وهو يلتقط خيوطها وملامحها من التراث الكردي الشفاهي، أو الحياة اليومية، أنى كانت في منجاة من هذه التأثيرات، معترفين أن الجوانب الإيجابية متوافرة لدى ثقافات الشعوب كلها، ومن بينها كلا الشعبين الكردي والعربي!

أجل، لم يكن ظهور هذه الظاهرة مجرد مصادفة. لقد تأثرت المجتمعات الكردية في سياقها السياسي وحتى الاجتماعي بشكل مباشر، وعلى نحو خاص، بثقافة الخطاب العربي، بما في ذلك التأثيرات التي تعرضت لها هذه الأخيرة بدورها، أي: ضمن ثقافة تبادل التأثر و التأثير وهما واقعان، يمكن للدارس المختص تتبع خطهما البياني، وفق ظروفهما وضوابطهما. ففي المجتمعات العربية، تشكلت ملامح الخطاب العاطفي والشعارات السياسية الحماسية، وأصبح الكلام وسيلة للتعبير عن القوة السياسية أو الاجتماعية أكثر من أن يكون وسيلة لتحقيق التغيير الفعلي. هؤلاء الذين لم يتحقق لهم الاستقلال السياسي تحولوا إلى العيش تحت وطأة خطاب يكتفي بإلقاء الكلمات، من دون أن يحقق كل ذلك تغييرات ملموسة على الأرض.

لكن في حالة الكرد، كانت هذه الظاهرة الصوتية أكثر تعقيداً، حيث كانوا في قلب المعركة من أجل حقوقهم. ومع مرور الوقت، أصبح الاهتمام بالكلمات والشعارات سمة غالبة على المواقف الكردية لدى بعض الأوساط، بينما بقيت الإنجازات الفعلية محدودة أو معطلة بسبب غياب الوحدة السياسية والتنظيمية، وتكالب وتآمر الأعداء، رغم دور السبق الريادي للنخبة الكردية- تاريخياً- في الدعوة للخصوصية القومية، منذ الشاعر الكردي أحمدي خاني” 1651-1707″- وحتى الآن، بينما كان أول من أخضع ثقافته للغربال ليفرز بين العوالق والأصيل منها. إلا أن الواقع بات مختلفاً، رغم لروح المقاومة التاريخية ودماء ملايين الشهداء، ونجاح بعض التجارب، فبدلاً من اتخاذ خطوات ملموسة نحو تحقيق استقلال أو تقدم اجتماعي، أصبحت الخطابات لدى بعضنا هي الميدان الرئيس للنضال، خاصة في الأوقات التي كانت فيها بعض الحركات السياسية الكردية مشغولة بتفسيرات أيديولوجية وتخندقات سياسية، بينما كان الفعل والعمل الجاد هو الضالة المبتغاة، المشتغل عليها، جماهيرياً، لدى أوساط محددة، ضمن ظروف كل مرحلة، رغم وطأة الكوابح والضغوطات، في ظل عدم الاستقلال عن الظروف السياسية العامة التي تتحكم بكردستان عامة، بسبب عاطفية الكردي وثقته بالآخر، وتضحيته بالذات، من أجله، في لجة نسيان الذات/ الوجود، على حساب تاريخ عريق، وإرث عظيم، حورب على أكثر من جبهة، ولأكثر من داع، من بينها العامل الشخصي!

السوشيال ميديا تضخيم الصوتيات وتأزيم الواقع

منذ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، شهدت المجتمعات الكردية تحولات دراماتيكية في الطريقة التي يتم بها التعبير عن المواقف والقضايا السياسية والاجتماعية. ومع تحرر الأفراد من القيود التي كانت مفروضة عليهم سابقاً في وسائل الإعلام التقليدية، أصبحت السوشيال ميديا ساحة جديدة لأشكال عديدة من التعبير، بعضها بنّاء وبعضها الآخر عديم الجدوى، يقتصر على التصريحات والجدالات التي لا تسهم في تحقيق أي تغيير واقعي.

لكن السوشيال ميديا لا تقتصر على أن تكون مجرد أداة للحديث، بل تحولت إلى منصات ضخمة لتضخيم الصوتيات. فبينما كانت الجهود السياسية الكردية بحاجة إلى خطوات استراتيجية وميدانية، نشأت ظاهرة جديدة في الساحة الكردية تتمثل في التضخيم الصوتي، حيث أصبح الكلام هو المحور، بينما غابت الأفعال الفعلية.

وحقيقة، فإنه لا يقتصر الأمر على مجرد تضخيم الصوت، بل أصبح هذا التضخيم جزءاً من حالة تأزيم شاملة تُسهم في خلق مساحات من الضياع. ففي الواقع، أضافت السوشيال ميديا طبقة جديدة من الارتباك إلى الخطاب الكردي. لا يمكن تجاهل أن هناك جهلاً فاضحاً في العديد من جوانب هذا الخطاب، إذ كثيراً ما تبرز آراء غير مؤهلة تملأ الفضاء الرقمي بمعلومات مغلوطة وأفكار سطحية، وهو ما يؤدي إلى تعزيز الظاهرة الصوتية بطريقة عشوائية. وأصبح السياسيون من جهتهم، يتفننون في ضخ هذه الأصوات المنمقة لتقديم أنفسهم على أنهم حماة القضية الكردية، في حين أن العديد منهم لا يملكون أية رؤية استراتيجية أو قدرة على ترجمة خطاباتهم إلى أفعال. أما “بعض” المثقفين الذين يفترض بهم أن يكونوا أداة للتوجيه الفكري، فقد وقعوا بدورهم في فخ هذه الصوتية المبالغ فيها، فبدلاً من العمل على تطوير الفكر الكردي وتجذير الهوية الثقافية الحقيقية، انغمس بعضهم في” المزايدات” الإعلامية التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من الضياع.

إذا كان بعض السياسيين يضخمون الصوت عبر التصريحات والمواقف الإعلامية التي لا تتبعها خطوات ملموسة، فإن الخطر الكبير أن يمارس بعض المثقفين اللعبة عبر كتابات ومواقف يتحدثون فيها عن الوضع الكردي، بينما يخفقون في تقديم حلول عملية أو آفاق حقيقية للتغيير. والنتيجة في النهاية هي مزيد من الضياع، حيث تغيب الحقوق، وتختفي الأهداف الحقيقية، ويبقى الكرد كما لو أنهم أسرى لغتهم الصوتية بلا أي فعل ملموس يعزز من تطورهم.

ومع مرور الوقت، يتضح أن هذا التضخيم الصوتي لم يحقق أي مكاسب ملموسة للكرد، بل على العكس، فقذ أسهم في تعميق الأزمات السياسية والاجتماعية. وكما في كثير من الأحيان، يبقى صوت الناطقين باسم القضية الكردية قوياً في الفضاء الرقمي، بينما تظل النتائج على الأرض محدودة جداً. وبدلاً من أن يؤدي هذا التوجه إلى نهضة ثقافية أو تحرير سياسي، فقد بات الأمر يتحول إلى مجرد صراع على الكلمات والألقاب.

نحن أمام مشهد يكتنفه التضخيم الصوتي وتأزيم الواقع الذي عاشت فيه المجتمعات الكردية طوال عقود. وعلى الرغم من تزايد حركات التحرر الكردية وظهور القوى السياسية التي تحمل مطالب مشروعة، واستشراس المؤامرات على المستويات كلها: إقليمياً، ودولياً، كما كان يتم قبل مئة سنة، فإن هؤلاء الذين انغمسوا في الصوتيات وتهربوا من تحمل مسؤولياتهم الحقيقية أسهموا في إبقاء الكرد في وضع يفتقر إلى القوة السياسية الحقيقية. لم تُترجم كلماتهم إلى أفعال، بينما كانت السوشيال ميديا تزيد من تعقيد الوضع، متجاهلة الضرورة القصوى للانتقال من القول إلى الفعل.

وإذا كان لا بد من الاعتراف أنه رغم كون الثقافة الصوتية ليست سمة كردية أصيلة، إلا أن الاحتكاك الطويل مع المحيط العام، إلى جانب غياب الدولة الكردية، جعلا الكرد يتأثرون بهذه الظاهرة. واليوم، في عصر السوشيال ميديا، يبدو أن الخطاب الكردي مهدد بالتحول إلى صدى صوتي آخر ما لم يتم تدارك الأمر، ناهيك عن أصحاب الأجندات الذين يكرسون الفرقة والإحباط، لدواع متعددة، عبر بناء حركة قائمة على الفعل لا على الأصوات والأصداء، فحسب. إن الفعل هو المقياس الحقيقي للنجاح، بينما الخطابات الجوفاء أو المنمقة لا يمكن أن تظل هي الوسيلة الوحيدة التي يتم من خلالها ممارسة التغيير والمنجز المتوخيين.

 

*المصادر:

القصيمي- عبدالله

منشورات الجمل- كولونيا- ألمانيا 2002

طبع الكتاب لأول مرة في العام 1977

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…