الدكتاتورية في إيران تلفظ أنفاسها الأخيرة!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

تشهد إيران والشرق الأوسط مرحلة حسّاسة. فوجود مناسبات كبرى وتوقّعات لتحوّلات مفصلية بشأن إيران، يعكس خطورة المرحلة التي دخلناها. ففي مرحلة ما بعد الحرب، يجد النظام الإيراني الغارق في الأزمات نفسه من جديد أمام مفترق طرق قاتل: “الانتحار أو الموت”، في صراع داخلي محتدم.

حرب أم مفاوضات؟

يوم الأربعاء ۱۳ آب /أغسطس ، كتب سلحشوري، النائب السابق في برلمان النظام، تعليقاً على موقف خامنئي الذي قال: لن تكون هناك حرب ولن نتفاوض، مؤكداً:

“الجمهورية الإسلامية بشعار ’الأمة الإسلامية‘ لم تبنِ أمة ولم تحفظ الشعب الإيراني. تركت إيران خراباً، وورثت عن الأمة الإسلامية اللعنة والكراهية. أضاعت ’العزّة والحكمة‘ بشعار ’لا حرب، لا مفاوضات‘، فانتهت إلى الحرب والمفاوضات معاً، وهي اليوم عاجزة حتى عن الحفاظ على إيران”.

من جهته، قال محسن هاشمي، نجل رفسنجاني، في ۱۱ آب /أغسطس عبر التلفزيون الحكومي: “ضربة حدثت لم يكن خامنئي نفسه يتوقعها؛ الحرب وقعت والمفاوضات جرت. واليوم، البلاد في وضع لا يسمح بتأجيل القرارات الصعبة، وإلّا فسوف نواجه خسائر لا يمكن إنكارها”.

وردّاً على التيار المقابل الذي يحاول التقليل من خطورة “آلية الزناد” في العقوبات، أضاف: الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بالغ الخطورة، إذ يسمح للدول بشنّ هجوم عسكري على إيران.

آلية الزناد!

في رسالة مشتركة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، شدّد وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا على أنه إذا لم يتم التوصل إلى حلّ دبلوماسي للملف النووي الإيراني بحلول نهاية آب/أغسطس 2025، فإن عقوبات الأمم المتحدة ستعود للتفعيل. وجاء في الرسالة:

“نحن مستعدون، ولدينا أسباب قانونية واضحة لإعلان الانتهاكات الجوهرية التي ارتكبتها إيران في التزاماتها النووية… وسنقوم بتفعيل آلية العودة السريعة للعقوبات”.

وزير الخارجية السابق للنظام هدّد بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) إذا تم تفعيل “آلية الزناد”، قائلاً: إذا أقدم الطرف الآخر على هذه الخطوة، فسيواجه بردّ حاسم من البرلمان الذي يضع يده على الزناد للانسحاب من المعاهدة.

وعلى المنوال نفسه، كرّر عراقجي (وزير الخارجية الحالي) والناطق باسم وزارته بقائي، إضافة إلى بقية مسؤولي النظام، خطاب المواجهة مع الأوروبيين. وفي إسطنبول، رفض فريق النظام برئاسة روانتشي مقترح تمديد مهلة الستة أشهر الخاصة بآلية الزناد.

محسن هاشمي نفسه اعترف في ۱۲ آب /أغسطس قائلاً: حتى القيادة لم تكن تتوقع الحرب، وقالوا لن نتفاوض ولن تقع حرب، لكن الحرب وقعت والمفاوضات جرت. وحذّر: نحتاج إلى دبلوماسية نشطة لتفادي آلية الزناد، لأنها إذا فُعّلت فستكون لها آثار مدمّرة على النظام. بل إن بعض وسائل الإعلام الحكومية كتبت يوم ۱۲ آب : آلية الزناد تقترب؛ يجب الدخول إلى ميدان التفاوض.

الإعدام.. أداة النظام للقمع

إنكار وجود سجناء سياسيين في إيران، رغم استمرار القتل والتعذيب بحقهم، كان سمة مشتركة بين ديكتاتوريتي الشاه وخميني.

ففي الأحد ۱۰ آب /أغسطس ، صرّح محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية المعيّن من خامنئي، نافياً وجود أي سجين سياسي في إيران، متجاوزاً حتى سوابق جلّادي “السافاك” في عهد الشاه، وقال:

مَن تقصدون بالسجناء السياسيين؟ أحياناً يُطلقون هذا الوصف على السجناء الأمنيين… نحن لا نملك مطلقاً أي سجين سياسي، كل ما هناك ملفات أمنية فحسب.

السجين السياسي في عهد دكتاتورية الشاه

قبل سبعة وأربعين عاماً، وفي 26 أيلول/سبتمبر 1978، كتب پرویز ثابتي، أحد كبار جلاوزة جهاز السافاك، رسالة إلى الشاه الآيل للسقوط جاء فيها:

كما هو معلوم لمقامكم، ووفقاً للتعريفات القانونية، فإن المعتقلين الذين يتحركون ضد المصالح الوطنية وأمن الدولة ويُدانون بهذه التهم يُعتبرون “سجناء معادين للأمن”، وإطلاق صفة “السجين السياسي” عليهم مخالف للقانون…» (وثائق السافاك – الكتاب 11، ص 336).

إلا أنّ الشاه وثابتي كانا يعلمان تماماً أنّ جسد أصغر بديع‌زادكان، أحد مؤسسي منظمة مجاهدي خلق، قد حُرق بالأفران الكهربائية والمكواة. ومع ذلك كان الشاه يُنكر أيّ تعذيب أو إساءة معاملة بحق المعتقلين السياسيين، قائلاً: «لا يمكن اعتبار هؤلاء معتقلين سياسيين، فجميعهم إرهابيون» (قناة “إن بي سي” الأميركية – أيار/مايو 1975).

السجين السياسي في عهد الدكتاتورية الدينية

واليوم، يتكرر الإنكار الوقح لوجود سجناء سياسيين في إيران، في وقت يشهد فيه العالم إعدام بهروز إحساني ومهدي حسني وعدد كبير من السجناء السياسيين الآخرين، فضلاً عن المعاملة الوحشية التي يتعرض لها المعتقلون أثناء نقلهم بين سجني إيفين وفشافويه، وكذلك فصل خمسة سجناء سياسيين محكومين بالإعدام ونقلهم قسراً إلى سجن قزلحصار بعد تعرضهم للضرب.

تجدر الإشارة إلى أنّ أحكام الإعدام صادرة بحق أعداد كبيرة من السجناء السياسيين، وقد ارتفعت وتيرتها بشكل ملحوظ في عهد الرئيس مسعود بزشكيان، تحت إشراف السلطة القضائية للنظام.

وكان 300 خبير وقانوني دولي قد حذّروا مسبقاً من أنّ النظام الإيراني يقف على أعتاب تكرار مجزرة عام 1988، حين أُعدم أكثر من 30 ألف سجين سياسي – غالبيتهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق – بموجب فتوى صادرة عن الخميني.

موقف المقاومة الإيرانية

عقب إنكار وجود سجناء سياسيين من قبل خامنئي، أكدت المقاومة الإيرانية أنّ تقليد النظام الديني لنهج الشاه عبر استبدال وصف “السجناء السياسيين” بـ “سجناء أمنيين” إنما يعكس خوفاً عميقاً من كشف الأرقام الحقيقية، التي تفيد بأن عدد المعتقلين السياسيين تجاوز 3700 شخص بعد موجات الإعدام والقتل الجماعي.
وأضافت المقاومة أنّه إذا كان خامنئي ورئيس السلطة القضائية غلام حسين إيجئي صادقين في ادعائهم بأن عدد السجناء السياسيين لا يتجاوز خمسة أشخاص، فعلى النظام – كما طالبت المقاومة على مدى عقود – أن يفتح أبواب السجون أمام المقرر الخاص للأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة العفو الدولية، وهيئات المحاماة الدولية.

خاتمة
إنّ مجمل التطورات داخل إيران وخارجها يشير بوضوح إلى اقتراب نهاية الدكتاتورية الدينية الحاكمة، وتقدّم مقاومة الشعب الإيراني في معركته من أجل الحرية. فمرحلة الاستبداد في إيران تلفظ أنفاسها الأخيرة، والشعب الإيراني يتهيأ لمرحلة ما بعد الدكتاتورية.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…