الكرد في سوريا: شعب أصيل لا أقلية

حوران حم

حين يُطلق وصف “الأقلية” على الكرد في سوريا، يبدو للوهلة الأولى وكأنه توصيف عادي يُستخدم في الكتب أو الأحاديث السياسية. لكن التمعّن في هذا المصطلح يكشف حجم المغالطة الكامنة فيه، لأن كلمة “أقلية” لا تعبّر عن حقيقة الكرد، بل تشوّهها وتختزلها في إطار ضيق.

معنى الأقلية ومعنى الشعب

الأقلية، في المفهوم السياسي والاجتماعي، هي جماعة بشرية صغيرة العدد تعيش وسط أغلبية سكانية مختلفة عنها، وغالبًا ما تكون هذه الجماعة مهاجرة أو طارئة على الجغرافيا التي تعيش فيها. مثل الجاليات الأرمنية أو الشركسية التي استقرت في سوريا بعد موجات نزوح وهجرة.

أما “الشعب”، فهو كيان أعمق بكثير من مجرد عدد. الشعب يعني الانتماء التاريخي إلى أرض محددة، يعني اللغة والثقافة والعادات، ويعني الذاكرة المشتركة التي تربط الأجيال بعضها ببعض. الشعب هو صاحب الأرض الذي تشكلت هويته من تربتها، وهو في الوقت نفسه مكوّن أساسي من مكونات الوطن.

الكرد في سوريا: جذور ضاربة في التاريخ

إذا انطلقنا من هذا التمييز، سنرى بوضوح أن الكرد في سوريا ليسوا أقلية. فهم لم يأتوا مهاجرين إلى هذه الأرض، ولم ينشأ وجودهم فيها عرضًا، بل هم جزء أصيل من جغرافيا اسمها كردستان.

الجزء السوري من كردستان – والمعروف بـ”كردستان سوريا” – يمتد من عفرين غربًا، مرورًا بكوباني، وصولًا إلى الجزيرة العليا حيث القامشلي والحسكة وديريك. هذه المنطقة لم تُعرف يومًا إلا بأنها موطن الكرد، مثلما تُعرف حلب بأنها مدينة شامية أو دمشق بأنها قلب سوريا.

منذ قرون طويلة، كان لهذه الأرض تاريخها الخاص. فيها ظهرت إمارات كردية، ومنها خرج قادة كبار مثل صلاح الدين الأيوبي الذي جعل من دمشق عاصمة لدولته. كما أنجز الأدباء الكرد على أرض سوريا إرثًا ثقافيًا مهمًا، مثل جلادت بدرخان الذي أسس مجلة “هاوار”، وأحمدي خاني الذي كتب ملحمته الشعرية “مم و زين”.

سايكس–بيكو والتمزيق الجغرافي

لم يعرف الكرد الحدود الحديثة إلا مع اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، التي وزّعت كردستان على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. هكذا أصبح الكرد في سوريا جزءًا من وطن جديد، دون أن يُسألوا عن مصيرهم، ودون أن يُعترف بخصوصيتهم القومية. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت محاولات دمجهم قسرًا في هوية قومية واحدة، بينما ظلوا متمسكين بلغتهم وثقافتهم وأرضهم.

الكرد في سوريا الحديثة

حين تأسست الدولة السورية، شارك الكرد في الحياة الوطنية، وكانوا جزءًا من النسيج السياسي والاجتماعي. لكن مع صعود القومية العربية، تحوّل الكرد إلى ضحية لسياسات الإنكار.

الإحصاء الاستثنائي عام 1962 جرد عشرات الآلاف منهم من الجنسية. مشروع “الحزام العربي” في السبعينيات حاول تغيير ديمغرافية مناطقهم. اللغة الكردية حُرّمت في المدارس، وأي تعبير عن الهوية الكردية كان يُعتبر تهديدًا.

كل هذه السياسات كانت تقوم على قاعدة واحدة: التعامل مع الكرد وكأنهم “أقلية” مهاجرة لا حق لها في الأرض. لكن الواقع كان ولا يزال يقول غير ذلك: الكرد شعب، والأرض التي يعيشون عليها هي أرضهم التاريخية.

الشعب لا يُختزل

حين نقول “شعب”، فهذا يعني أن الكرد في سوريا ليسوا مجرد رقم صغير في التعداد، بل هم جزء من هوية هذه البلاد. هم الشعب الثاني بعد العرب من حيث العدد، ولهم حضور ممتد في الريف والمدينة، في التاريخ والثقافة والسياسة.

إن اختزال الكرد في كلمة “أقلية” هو محاولة لتقزيم وجودهم وتجاهل حقيقتهم. لكن الشعوب لا تختزل في توصيفات ضيقة. الكرد باقون على أرضهم، جيلًا بعد جيل، تمامًا كما بقي الأرمن أرمنًا، والعرب عربًا، والسريان سريانًا.

الكرد في سوريا ليسوا أقلية، بل شعب متجذر في أرضه منذ آلاف السنين. أرضهم تُعرف باسم كردستان سوريا، وتاريخهم ممتد من صلاح الدين إلى مشعل التمو، ومن أحمدي خاني إلى أجيال شابة ما تزال تحلم بالحرية والاعتراف.

الاعتراف بأن الكرد شعب أصيل ليس منّة من أحد، بل هو تصحيح للتاريخ، وشرط أساسي لبناء سوريا جديدة تتسع لكل شعوبها، دون إنكار أو تهميش. فالأوطان لا تُبنى على الإقصاء، بل على الاعتراف والعدالة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…