وداعًا أيها السلاح: رواية الموت المؤجل والمعنى المنكسر

إبراهيم اليوسف

ليست رواية وداعًا أيها السلاح لِـ همنغواي مجرّد سيرة ذاتية لجنديٍ عاشق في ظل قصفٍ عشوائي، بل هي وثيقة روحية لصوت الإنسان وهو يتكسر داخل أتون حرب بلا قلب، وبلا منطق. لقد كتبها المؤلف لا ليخلّد مغامرة عاطفية في زمن الاضطراب، بل ليختصر قرناً من الخيبات في بضع مواقف، حيث لا النصر نصر، ولا الحب حب، ولا الحياة حياة.
ما تقدّمه الرواية ليس بطلاً خارقاً، بل إنساناً مشكوكاً فيه، تائه الوجهة، مترددَ الانتماء. هو جندي يحمل بندقية، لكنه لا يؤمن برصاصتها؛ يحب امرأة، لكنه لا يملك وعداً لها سوى احتمال الغياب. الرواية تشبه طقساً جنائزيًّا طويلًا، يُدفن فيه المعنى تدريجياً، ويُزَفُّ الخلاص كخرافة لا تتحقق. الحب فيها لا يُنقذ من الموت، بل يتحول إلى عبء عاطفي وسط فوضى الحديد والدم.
الرصاصة في هذا العمل لا تُطلق فقط من فوهة البندقية، بل من فم القدر، من سطور الحظ، من خذلان الأنظمة، من سقوط الإنسان في وحل الأوامر العسكرية التي تطحن المشاعر والضمير. الحرب هنا ليست جبهة خارجية، بل جبهة داخلية، مفتوحة في الروح والذاكرة، ولا تُغلق حتى بعد الصمت.
ومع أن الرواية كُتبت عن زمن قديم، إلا أن أصداءها تتجدد في كل معركة جديدة، وتزداد حدةً في عصرنا الحالي الذي باتت فيه الحرب أكثر تنظيماً، وأكثر صمتاً، وأكثر تغليفاً بالشعارات الزائفة. لم يعد السلاح يُحمل بقرار فردي، بل يُدار بأصابع متشابكة: أيدٍ خفية تصنع الصراع، وتعيد إنتاج الكراهية، وتبيع صورته كمشهد بطولي في نشرات الأخبار.
في زماننا، لم تعد الحرب مجرد اجتياح بري، بل باتت حربًا هجينة، تتشابك فيها التكنولوجيا والعواطف والرموز، ويُختبر فيها الإنسان بوصفه رقماً لا أكثر. الطائرات بلا طيار تُرسل رسائل الموت من ارتفاعات باردة، وكأن الحرب تحولت إلى لعبة إلكترونية لا يشعر فيها القاتل بثقل جريمته، ولا يملك القتيل وقتاً ليرى قاتله.
نحن الآن في زمن الحرب ما بعد الحداثية، حيث تختلط صورة الجندي بصورة الخوارزمية، وتذوب الحدود بين المدني والمقاتل، بين الهدف العسكري والضحية البريئة. الكاميرات توثق، والأقمار ترصد، والدول تُدين افتراضياً، أو على الورق أو عبر الأثير فحسب، لكنها تموّل في الخفاء. كل ذلك يجعل من فكرة “وداع السلاح” شبه مستحيلة، لأن موجبات رفع السلاح لما تزل مستمرة، رغم نبذنا للحرب اللعينة، ونشداننا وانشدادنا وحلمنا بالسلام الفعلي، كل هذا الواقع المجحف الأليم يحوّل الحنين إلى السلام إلى طقس من السذاجة أو مثالية منسية.
وإذا كان هناك من يحمل السلاح مكرهاً لا حباً بالموت، فذلك لأن هناك من يُحمّله السلاح بتشديد الميم المكسورة، مكرهاً، يحُمِّلَه قسراً، حين سُلبت حقوقه، وهُدّد وجوده، واقتيد إلى مصيره المحتوم تحت وطأة الإبادة والزوال. ليس جميعنا محبّون للقتال، بل إن كثيرين لم يقفوا في صف النار إلا حين طُوّقوا بظلم لا يُحتمل، ووجدوا أنفسهم يدافعون لا عن أرضهم فقط، بل عن بقاء أسمائهم، وأحلامهم، ولغتهم، وتاريخهم من التلاشي الكامل.
“وداعًا أيها السلاح” ليس شعارًا للسلام، بل صرخة متأخرة من داخل القبر، تقول للعالم إن السلاح لا ينام، وإن الحرب لا تنتهي، وإن الخلاص وهم مؤجل، ما لم تتحقق شروطه. هي ليست رواية عن فرد، بل عن جزء من البشرية. عن البشرية وقد تقطّعت بها السبل، تبحث عن دفءٍ في حضنٍ هش، أو نجاةٍ وسط طوفانٍ أخلاقي لا قاع له.
فهل يمكن فعلاً أن نطوي صفحة الحرب؟
أم أن التاريخ يعيد نفسه، ليس لأننا لا نتعلم، بل لأن من يكتب الحروب هم أنفسهم من يمنعون تعليم الدروس؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الكورد في سوريا عبدالجابرحبيب منذ بدايات القرن الماضي، والكوردي في سورية متَّهَمٌ سلفاً. تهمةٌ جاهزة، لا تحتاج إلى دليل ولا إلى سياق: الانفصال. يكفي أن تكون كوردياً كي تُستدعى هذه الكلمة من أرشيف الخوف. حكمٌ مؤجَّل لا يسقط بالتقادم. لم ترفع الأحزاب الكوردية، ولا النخب الثقافية الكوردية، شعار اقتطاع الأرض، ولم يُسجَّل في خطابها السياسي مشروع تمزيقٍ لسورية. ومع ذلك،…

ريبر هبون تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنّها الفصائل المتشددة المدعومة تركيًا والمحسوبة على وزارة الدفاع السورية، بوصف ذلك بداية لمرحلة جديدة ترسم حدودها بوضوح بين الكورد، الممثلين بمشروعهم المتمايز، وبين مشروع الفكر الجهادي الذي ما إن يتوافق مع الخارج، وهذه المرة إسرائيل، حتى يبدأ عملية جديدة بغية إحكام…

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…