هل مات التوثيق الكتابي في زمن الصورة الإلكترونية؟

إبراهيم اليوسف
لقد شهدت البشرية تحوُّلاً جذرياً في طرق توثيقها للحياة والأحداث، حيث أصبحت الصورة والفيديو- ولأول وهلة- الوسيلتين الرئيسيتين لنقل الواقع وتخليده، على حساب الكلمة المكتوبة. يبدو أن هذا التحول يحمل في طياته نذر موت تدريجي للتوثيق الكتابي، الذي ظل لقرون طويلة الحاضن الأمين للمعرفة والأحداث والوجدان الإنساني. لكن، هل يمكننا التخلي عن الكتابة تماماً؟ هل يمكننا أن ننعيها، هكذا، من دون مقدمات؟ أم أنها ما تزال تحتفظ بدورها الضروري رغم هيمنة الوسائل البصرية؟
اعترافات في قوة دلالات الصورة والفيديو
لقد أثبتت الصورة والفيديو قدرتهما الفائقة على إيصال المعلومة بسرعة مذهلة، مع إثارة العاطفة وتحفيز التفاعل الفوري. إذ إن صورة واحدة قد تعادل آلاف الكلمات، وإن فيديواً قصيراً قد ينقل شعوراً أو حدثاً بكثافة وعمق يستحيل التعبير عنهما عبر لغة الكتابة، إلا أنه شعور آني، سرعان ما يخمد، أو يعرض للخمود والضياع، في فورة مليارات الصور التي تبث في الثانية الواحدة، كونياً.  وبدهي، أنه في زمن السرعة، فإن  الناس  يؤثرون التفاعل مع المحتوى البصري الذي لا يتطلب جهداً فكرياً كبيراً.
لكن الكتابة أيضاً: ضرورة لا غنى عنها
ورغم بريق الصورة والفيديو، إلا أن الكتابة  تظل وتبقى ضرورة لا يمكن تجاوزها. إنها الأداة التي تُمكِّن الإنسان من التفكير العميق والتحليل المنطقي والتعبير الدقيق عن الأفكار والمشاعر. بينما قد تُظهر الصورة في لحظةً معينةً، بيد أن الكتابة تُقدِّم سياقاً وتُوثِّق التاريخ بحيادية نسبية. ومن هنا يبرز السؤال:
ترى، كيف يمكن للصورة وحدها أن” تسجل نقاشاً فكرياً أو تشرح معادلة رياضية أو تعبر عن جدلية فلسفية”؟
التحديات التي تواجه الكتابة
تُواجه الكتابة اليوم تحديات هائلة في ظل التنافس مع الوسائل البصرية. فمنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المحرك الأساسي للتفاعل البشري، تُفضِّل المحتوى السريع والمختصر. هذه البيئة تُقصي النصوص الطويلة والمعمَّقة، ما يدفع الكُتّاب إلى تقليص أفكارهم وتجريدها من تعقيدها الطبيعي.أضف إلى كل هذا، فقد بات الذكاء الاصطناعي كتابة أي نص سردي، إلا أن لا أهمية له من دون حضور روح الكاتب الذي قد يكون أكثر الذين يستطيعون توظيفه في سياقات سردية غير إبداعية!
الكتابة كفعل مقاومة
لابد لنا ألا ننسى أنه في زمن تسوده السرعة والسطحية، تُصبح الكتابة فعل مقاومة. إذ إن الاستمرار في الكتابة والتوثيق بالكلمة المكتوبة يُعبِّر عن تمسك بالعمق الفكري والروح الإنسانية التي لا يمكن للصورة وحدها أن تعكسها. فالكتابة تُتيح لنا فهم العالم بشكل أعمق، وتُعلِّمنا الصبر والتأمل. إنها الجسر الذي يربط بين الحاضر والماضي، ويُمهِّد الطريق للمستقبل.
في مصالحة الصورة والكلمة
أو في تداخل الكتابة مع الصورة
ومع ذلك، فإنه لا ينبغي النظر إلى الكتابة والصورة كعدوين، كما بات يشاع أو يراد له أن يكرس في إطار الحض على التكاسل. إذ إنه بدلاً من كل ذلك، يمكن للكتابة أن تُكمل الصورة وتُفسرها، بينما تُثري الصورة النص المكتوب وتُعطيه أبعاداً بصرية. التوازن بين الكلمة والصورة يُمكن أن يخلق وسائل توثيق تجمع بين الدقة والوضوح والتأثير العاطفي.  أجل. إن الكتابة ليست بديلاً للصورة، كما أن الصورة ليست بديلاً للكتابة. فكلاهما وسيلتان ضروريتان للتوثيق والتعبير. في زمن الصورة والفيديو، قد يتراجع دور الكتابة، لكنه لن يختفي. الكتابة تظل حاجة إنسانية أساسية، ورمزاً للعمق والتأمل والفهم.  ومن هنا، فإن على الكُتَّاب أن يواصلوا مهمتهم، ليس فقط كموثقين، بل كصُنَّاع للمعنى والوعي، من دون أن ييأسوا بما ظهر من تكهنات حول” موت الكتابة” مع دخولنا عصر الصورة الإلكترونية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…