هل حقاً فسرنا كلام آرنج خطأً

علي شمدين

 

لقد كنا من بين المدعوين للمشاركة في (ملتقى هولير الثالث)، الذي نظمه (مركز روداو للأبحاث)، في فندق روتانا خلال أيام (٢٦-٢٨/٢/٢٠٢٥)، تحت عنوان: (القلق على مستقبل الشرق الأوسط)، وشارك فيه العشرات من السياسيين والمثقفين والمسؤولين وأصحاب القرار في إقليم كردستان والعراق والعالم، الذين أدلوا بآرائهم حول مختلف الأحداث والمتغيرات التي تعصف بالمنطقة، وفي مقدمتها (سقوط حكومة الأسد، آليات تنظيم القضايا الأمنية والسياسية في المنطقة، حوارات السلام في تركيا، عودة ترامب، اسواق الطاقة، حماية حقوق الانسان، التغييرات المناخية، الأمن الاجتماعي، وكذلك تأثيرات التكنولوجيا والأخبار الكاذبة والمضللة على التغييرات الاجتماعية والسياسية).

وفي اليوم الأخير من الملتقى (٢٨/٢/٢٠٢٥)، كان السيد بولنت آرنج أحد أبرز المحاضرين في هذا الملتقى، وهو النائب السابق لرئيس وزراء تركيا، والرئيس السابق للبرلمان التركي، والشخصية السياسية البارزة في الحزب الحاكم في تركيا، وقد تناول في محاضرته التي امتدت لما يقارب الساعة من الزمن، الكثير من المواضيع الهامة والحساسة، وقال بأن: (منطقة الشرق الأوسط تواجه تغييرات كبيرة، ويجب علينا أن نستعد لها)، وفي هذا الإطار قال: (من الضروري قبل كل شيء أن نعزز الجبهة الداخلية في تركيا)، وحول رسالة أوجلان قال: (لقد نفذ أوجلان ما كان منتظراً منه..)، وأضاف: (سوف تثمر هذه العملية إن كانت هناك الإرادة اللازمة)، وخلال حديثه عن سير العملية السلمية في تركيا، قال: (إن الحكومة التركية عملت كل شيء، إلّا أن التنظيم- أيّ ب ك ك – قام بنسفها).

ومن بين الأسئلة التي طرحها عليه مدير الجلسة، هو: (في التسعينيات، ومنذ عهد حزب الرفاه، قام جنابكم بإعداد تقرير حول المسألة الكردية، وكنتم حينها من الشخصيات المؤثرة في عملية البحث عن حلّ، ترى هل يكفي نزع السلاح لحل المسألة الكردية؟)، فكان جواب السيد آرنج كما يلي: (هكذا يجب أن ننظر إلى الوضع، وهو إن كان هناك موضوع الإرهاب أو فلنقل إن كان هناك مستنقع، فإنه سيتجمع البعوض كل يوم على هذا المستنقع، ولا أريد أن يتم تفسير هذا المثال خطأ، وسوف تستاؤون من البعوض، فتقوموا بقتل /٢-٣/ منها، ولكن المستنقع لا يزال موجوداً، ولهذا بعد أن تنتهوا من قتل تلك البعوضات، ستجدون بأن /٣٠٠-٤٠٠/ بعوضة أخرى غيرها قد عادت من جديد. ولذلك فإن المشكلة تكمن في تجفيف المستنقع..).

وفي نهاية المحاضرة، قمت بالتعليق على تشبيه السيد آرنج للمقاتلين الكرد بالبعوض، وكذلك تشبيهه للحاضنة التي تنتجهم بالمستنقع، وكرر كلمة البعوض والمستنقع في محاضرته لأكثر من أربع مرات، ولذلك قمت بتوجيه السؤال التالي إلى بولنت آريج: سأتحدث بالعربية كي يفهمه الأخ جنكيز جاندار الموجود بيننا الآن، والذي كان قد ألف كتاباً بعنوان (قطار الرافدين السريع)، ولأهمية هذا الكتاب يمكن أخذه دليلاً لحل المسألة الكردية في تركيا، حيث يقول جاندار في هذا الكتاب: (بدأت تركيا تتعلم بأنها لن تستطيع تجاوز الحدود والانفتاح على الشرق الأوسط من دون كردها..).

فإذا كان الكرد هم بوابة انفتاح تركيا على الشرق الأوسط، ترى أي الطريقين نختار لعبور هذه البوابة؟ ما قاله جنكيز جاندار بأن (الإرهاب)، له جذر ثقافي وفكري ولا بدّ من معالجته بالفكر والثقافة وليس بالسلاح؟ أم نختار الثنائية التي ذكرها جنابك وهي (البعوض، والمستنقع)، وبالتالي حصر الحل بتجفيف المستنفع كما تقول؟! وخلال رده على سؤالي أبدى السيد بولنت آرنج، عدم تقبله مداخلتي بروح رياضية وإنما بتشنج واستفزاز، مؤكداً على أنني أخطأت في تفسير كلامه.

وفي الاستراحة سألت الأستاذ جنكيز جاندر: ترى هل حقاً فسرت ما قاله آرنج خطأ؟! أم أن المثال الذي ساقه خلال حديثه هو الذي لم يكن موفقاً وخاطئاً؟! فأجابني مبتسماً، وقال: لا أبداً لم تكن مخطئاً، وإنما يبدو أنك أوجعته بالقرصة التي قرصته بمداخلتك الموفقة.

السليمانية ٣/٢/٢٠٢٥

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…