مفارقات العقل الأحادي: قراءة في الموقف من الكرد وقضاياهم

إبراهيم اليوسف
إن إشكالية العقل الأحادي تكمن في تجزئته للحقائق، وتعامله بانتقائية تخدم مصالحه الضيقة، متجاهلاً التعقيدات التي تصوغ واقع الشعوب. هذه الإشكالية تطفو على السطح بجلاء في الموقف من الكرد، حيث يُطلب من الكرد السوريين إدانة حزب العمال الكردستاني” ب ك ك” وكأنهم  هم من جاؤوا به، أو أنهم هم من تبنوه بإجماع مطلق. الحقيقة أن” ب ك ك” كان ولا يزال موضع انتقاد من داخل البيت الكردي نفسه، بل إن وجوده في سوريا جاء نتيجة لتفاهمات إقليمية لعبت فيها تركيا دور المحور.
تركيا وسياسات الإبادة المستمرة
لقد كانت تركيا، منذ تأسيس جمهوريتها الحديثة، في حالة حرب مستمرة ضد الكرد. هذه الحرب لم تتوقف عند حدودها، بل امتدت إلى خارجها في محاولة لاستئصال أي وجود كردي يهدد رؤيتها القومية. فمنذ سقوط نظام الأسد، بات واضحاً أن تصريحات القادة الأتراك هي امتداد لسياسة طويلة الأمد تهدف إلى تنفيذ” جينوسايد” ضد الكرد.
احتلال عفرين، سري كانيي” رأس العين”، وتل أبيض ليس إلا دليلاً صارخاً على هذه السياسات التي تحاول اجتياح روج آفايي كردستان بكامله. ومع ذلك، لم تُطلَق رصاصة واحدة من الكرد السوريين باتجاه تركيا، ما يؤكد أن تدخلها في سوريا ليس لحماية أمنها كما تدعي، بل لاستكمال مشروعها التوسعي والقضاء على أي كيان كردي مستقل.
التناقض التركي في التعامل مع” ب ك ك”
المفارقة العجيبة أن تركيا تحتضن حزب الشعوب الديمقراطي، وهو حزب كردي في مجلس نوابها، بل وتشركه في قيادة البلاد. كما تحاول أحياناً فتح قنوات حوار مع السيد عبد الله أوجلان، زعيم” ب ك ك” فك الله أسره، بينما تشن حرباً شعواء على الكرد السوريين بحجة محاربة الإرهاب. هذا التناقض يكشف أن القضية ليست وجود” ب ك ك”، بل وجود الكرد أنفسهم ككيان سياسي وثقافي مستقل.
دور السوريين في تعزيز السياسات التركية
إن بعض السوريين، خصوصاً من معارضي النظام، وقعوا في فخ العقل الأحادي، حين قبلوا الانخراط في أجندات تركية. هؤلاء، الذين كانوا يرفضون هيئة تحرير الشام، سرعان ما قبلوها وسوغوا وجودها عندما أُسندت إليها مهمة ملء فراغ انسحاب النظام بموجب ترتيبات دولية. وفي المقابل، يُجرِّمون قوات سوريا الديمقراطية” قسد”، رغم أنها كانت القوة الأساسية في هزيمة داعش، أحد أخطر التنظيمات الإرهابية التي هددت السوريين والكرد على حد سواء. هذه المفارقة تعكس نزعة عنصرية تجاه الكرد، حيث يُتَجَاهَل دورهم المحوري في محاربة الإرهاب وتثبيت الاستقرار.
الحلول الممكنة: نحو عقل متعدد ومنفتح
إن الحل يكمن في تجاوز العقل الأحادي الذي يعيد إنتاج العداء والانقسام. المطلوب اليوم ليس تحميل الكرد وحدهم مسؤولية الصراع، بل تحميل الأطراف جميعهم مسؤولية بناء سوريا جديدة تستوعب تنوعها القومي والديني.
وإذا كنا نرى ضرورة إعلان  ب ي د فك ارتباطه الفعلي مع” ب ك ك” وأن يُعيد النظر في استراتيجيته،  وأن يتفهم ضرورة الانسحاب من الساحة السورية لفتح المجال أمام قوى كردية محلية تعمل ضمن السياق السوري. لكن في الوقت ذاته، على جميع القوى الراديكالية الأخرى التي أُسندت إليها أدوار مؤقتة أن تفسح المجال لقيادة سوريا من قبل أهلها الحقيقيين، بعيداً عن الأجندات الخارجية، فليس هناك راديكالي مختلف  عن الآخر، رغم أن” ب ك ك” صاحب قضية قومية في كردستان تركية، وعلى الأجزاء الكردستانية جميعها التعاطف مع بعضها بعضاً من دون أي تدخل أو هيمنة، كما هو شأن إقليم كردستان مع بقية الأجزاء الكردستانية!
إن تكريم هيئة تحرير الشام وتجريم قسد لا يعكس سوى انحياز واضح للأجندة التركية. هذا الموقف ليس فقط عنصرياً، بل هو استمرار لسياسات الإقصاء والتهميش التي يعانيها الكرد منذ عقود. المطلوب الآن هو إعادة النظر في هذه المواقف، والانفتاح على حوار يعترف بحقوق الجميع دون استثناء.
في نهاية الأمر، العقل الأحادي ليس حلاً، بل هو جزء من المشكلة. وإذا أرادت سوريا المستقبل أن تنجو من شبح التفكك والصراعات، فعليها أن تتبنى عقلاً متعدداً يعترف بالحقائق كما هي، لا كما يريدها بعضهم أن تكون.
إننا كسوريين جميعاً مطالبون أن نتجاوز هذه المرحلة عبر روح التعاون والتعاضد على أساس وطني، بعيداً عن كل الترسبات التي خلفتها العهود العنصرية في سوريا، وذلك ضمن” الجمهورية السورية” بلد كل السوريين الأحرار!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…