مصطلح الثورة في ترجمات القتلة وأشباههم!

إبراهيم اليوسف

 

إلى أين نحن ذاهبون؟

في الحرب الغامضة!

 

ها نحن نقف  على حافة التحول المباغت أو داخل لجته، في عالم يغمره الغموض والخداع، في مواجهة أحداث تُحاك خيوطها في غرف مغلقة لا يدخلها إلا قلة قليلة. هذا الزمن، بملامحه الغامضة، رغم توافر أسباب وضوح حبة الرمل في قيعان البحار، ما يجعلنا شهودًا على مأساة متكررة تفصل بين الحلم الثوري والواقع المأساوي، ليظهر لنا أن الكلمة الأخيرة ليست للشعوب، بل لأولئك الذين يعبثون بمصائرها كما يشاؤون.

قبل سنوات، كنت حاضرًا أمسية شعرية للشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد” 1930-2015″، الذي لطالما عُرف بشاعر صدام حسين. الرجل، الذي غادر العراق بعد سقوط الدكتاتور، ألقى كلماته في بلد خليجي عشية ظهور تنظيم داعش. كنت هناك بحكم عملي الصحفي، فتابعت كلماته وهو يتحدث عن العمليات التي كان يقوم بها “الأبطال الشجعان”. بدا متفائلًا بشكل مريب، وأطلق على ما يحدث اسم “الثورة”!

لم يقاطعه وقتها أحد، في تلك القاعة التي ضمت عشرات الكتاب والإعلاميين العراقيين وبعض محبي وذوي الشاعر،  وكنت كأحد الحضور قد اكتفيت بدوري كصحفي يغطي الحدث. مع مرور الوقت، شهدنا ما تمخضت عنه تلك “الثورة” المزعومة: تنظيم داعش، الذي أدخل العالم في دوامة من الرعب والمآسي. لم أعلم إن كان الشاعر الراحل قد تراجع لاحقًا عن تفاؤله، أو أطلق قصيدة تُدين تلك الممارسات، إلا أنني تذكرت تلك الواقعة مؤخرًا وأنا أتابع ما يجري في بلدي سوريا.

الحرب على الحرب

في سوريا، المشهد أكثر تعقيدًا. أرى حربًا تُشن على حرب، ولا أدري إلى أين ستنتهي. الأخبار تتحدث عن الرئيس بشار الأسد وكأنه مطلوبٌ من قبل الثوار الجدد، الذين يحملون وثيقة مرور بتوقيع تركي، كما هو في أول  تصور. بين مشاهد المعارك والتصريحات، يُقال إن قواته قد تكون على وشك الاستسلام، انتظارًا لما يسمى بـ”الرد في الزمان والمكانين المناسبين”. لكن هل هذا هو الوجه الحقيقي للصراع، أم أننا نعيش في عتمة إعلامية تُخفي الحقائق وتُظهر ما يخدم أجندات محددة؟

نحن نسير نحو مستقبل غامض، تكتنفه الضبابية والقلق. أتمنى أن أكون مخطئًا في تشاؤمي، وأن تحمل الأيام القادمة خيرًا لسوريا بكل مكوناتها وأديانها وطوائفها. فالطموح البسيط لأي مواطن سوري الآن هو أن يرى وطنًا خاليًا من الإرهاب والتطرف، حيث ينال كل مكون حقوقه العادلة.

الكرد في خضم الفوضى

بالنسبة إلى الكرد، وهم جزءٌ لا يتجزأ من هذه الأرض، يبقى السؤال الأكبر: هل سيحصلون أخيرًا على حقوقهم المشروعة؟ أم أن المخططات الكبرى ستتجاهل إنسانهم كما فعلت دائمًا؟ ما نخشاه هو أن تكون المشاريع الدولية والإقليمية ليست سوى أدوات جديدة لإحياء النزعات العثمانية في ثوبها الحديث، بقيادة الخليفة الضال رجب أردوغان.

المثقفون في مواجهة المجهول

إننا، أفرادًا وجماعات، ولاسيما  ممن نزعم أننا من عداد الكتاب والإعلاميين، نجد أنفسنا أمام واقع مرير. الحقيقة باتت لعبة في أيدي أولي القرار الدولي، حيث يتم تحريك الأدوات المنفذة كأنها روبوتات لا تفهم سوى تنفيذ الأوامر. هذا الروبوت الدموي لا يدرك سوى أمرين: المكافآت المالية التي تُغدق عليه- وهي هنا بطارية الشحن- وشهوة القتل التي لا تفرق بين ضحية وأخرى، حتى وإن كان الضحية أقرب الناس إليه.

هكذا تُدار الحروب في زمننا: بضغط أزرار تتحكم في مصائر الشعوب، بينما يُترك المثقف حائرًا في تفسير ما يجري. هل ما يحدث ثورة حقيقية؟ أم أنها مجرد لعبة جديدة تُعيد تدوير الألم وتُرسخ الاستبداد بأقنعة مختلفة؟

ثورات مؤودة يختطفها اللصوص

عندما تأملت مصطلح “الثورة” كما استخدمه عبدالرزاق عبدالواحد في تلك الأمسية، شعرت بتناقض مرير. الثورة، في معناها النقي، هي فعل تحرري، انطلاقة نحو العدالة والمساواة. لكن الواقع حوّلها إلى مجرد شعارات تُباع وتُشترى، بينما الشعوب تدفع الثمن. بدهي، أن الثورة لدى عبدالرزاق عبدالواحد هي الثأر للدكتاتور واستعادة نظام البعث البائد الذي تمخض عنه مجرمون من أمثال: الطغاة حافظ الأسد- صدام حسين- بشار الأسد..

في سوريا، كانت هناك ثورة، أو على الأقل حلم بثورة. لكن الحلم دُفن تحت ركام المصالح الدولية والتدخلات الإقليمية. تلك الثورة، التي طالما تغنينا بها، أصبحت موؤودة، لا لسبب سوى أن قوى الظلام قررت أن مصيرها يجب أن يكون كذلك.

إلى أين نحن ذاهبون؟

لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما سيأتي. ربما تتحقق المخاوف، وربما تُفاجئنا الأيام بشيء من الأمل. لكن الأكيد هو أن السوريين يحتاجون إلى حل يعيد لهم إنسانيتهم وكرامتهم، بعيدًا عن لغة القتل والدمار.

عندما أنظر إلى ما حولي، أرى أن الأمور ليست كما تبدو. هناك خيوط تُنسج في الظل، ولعلنا جميعًا مجرد قطع شطرنج على رقعة كبيرة. ومع ذلك، يبقى من واجبنا أن نقول كلمتنا، أن نحلم بمستقبل أفضل، وأن نعمل من أجله، حتى لو بدا الحلم بعيد المنال.

الثورة الموؤودة ليست عنوانًا فقط، بل حقيقة مُرّة نعيشها. ما بين الأحلام والتطلعات، وبين الواقع المرير، يكمن التحدي الأكبر: كيف نحافظ على إنسانيتنا في زمن يتكلم لغة الدم؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…