مؤتمر المونولوج الوطني!

فرمز حسين

 

 “حاكي حالك و راح تسمع أحسن جواب ” مقولة سويدية ترجَمَتَها إلى العامية السورية تعطي تعبيراً أكثر تطابقاً من الفصحى، هذا بالضبط ما تفعلة ادارة الشرع في سوريا فمن مؤتمر النصر الذي اقتصر على الفصائل المسلحة ذي التوجه الاسلامي و الذي جاء استمراراً و متابعة لعملية الاستمرار في السلطة و مبايعة أحمد الشرع من قائد للعمليات العسكرية إلى رئيساً للدولة و من المرحلة المؤقتة إلى الانتقالية و من ثم اصدار قرارات لم تكن فقط في مجملها متوقعة بل كان قد تم عملياً تنفيذها أيضاً و بالتالي جاء ذلك التجمع الفصائلي ببساطة لاكتساب ما يسمى بالشرعية الثورية ليس إلا.

 بالأمس عقد تجمع مماثل لكن على المستوى المدني تحت مسمى” مؤتمر الحوار الوطني” و الذي استمر في التوجه الأحادي نفسه بدءاً من اختيار أعضاء اللجنة التحضيرية مروراً بانتقائية أسماء المدعوين إلى المشاركة في المؤتمر ثم وصولاً إلى بيان ختامي مرتبك لم يتضمن سوى عموميات.

الادارة الجديدة في دمشق لاتستطيع اخفاء فوبيا مشاركة القوى السياسية المنظمة ضمن أحزاب أو حتى مؤسسات مدنية تمثل أطيافاً واسعة من المجتمع السوري و لذلك تلجأ إلى مشاركة الأفراد الذين في واقع الأمر لا يمثلون إلا أنفسهم.

 لابد من الاعتراف بأن هناك حاجة ماسة إلى الاسراع  في الخروج من حالة الفراغ السياسي و الدستوري  في البلاد للتمكن من البدء في عملية البناء، لكن ذلك لايتحقق بالقفز على مبادئ الثورة التي قادها السوريون في مواجهة آلة النظام البائد و في مقدمة تلك المبادئ هي التعددية السياسية و تداول السلطة.

أن نزجَّ بأكثر من أربعمائة شخص في قاعة للمؤتمرات و في مهلة زمنية لاتتجاوز يومين من الوقت لمناقشة ملفات هامة و شائكة و من ثم الخروج بتوصيات  ماهي إلا محاولة فرض حلول سهلة لجملة من الاشكاليات الكثيرة التعقيد و لايختصر المسافة بل يعرقل السير في اتجاه بناء الدولة. علينا ألا ننسى بأن كل ماتقوم إدارة الشرع في دمشق هو تحت المجهر شعبياً، اقليمياً و دولياً و هناك شروط للتخلص من العقوبات الدولية التي دون الخلاص منها لن يستعيد البلد عافيته و لن يساهم في تخفيف معاناة السوريين لا في الداخل و لا في مخيمات الشتات.

لاشك أن استبعاد الأطراف السياسية من المشاركة في الحوار الوطني يُترجَم على أنه عملية احتكار السلطة في أيدي شريحة محدودة و ترسيخ لمبدأ الأغلبية العرقية و المذهبية و هذه المرة تحت مسمى المواطنة السورية و هي على الأغلب كلمة حق ربما يراد بها باطل فمن أجل أن نكون مواطنين متساويين لابد في البداية من الاعتراف بحقوق المواطنة الجمعية المتساوية قبل الفردية من لغة و ثقافة و عادات و تقاليد و عقائد. استبعاد ممثلي الحركة الكردية في سورية بمحوريه التابعين لكل من البالآبالآخر و  الأغلبية مجلس الوطني الكردي الذي بقي في صفوف المعارضة السورية حتى سقوط منظومة الأسد  و”مسد” مجلس سورية الديمقراطي الذي يضم شريحة واسعة من مكونات شمال شرق سورية  تحت مظلته من كرد و عرب و سريان ليس محض صدفة بل هو هروب ليس فقط من استحقاقات المواطنة المتساوية بل أيضاً محاولة طمس  الاختلافات الايديولوجية الكبيرة و الاستئثار بادارة البلد. التذرع بأن مطالب المكون الكردي محاولات لتقسيم سوريا و بأن هناك الدوز و العلويين و الشركس و التركمان و تطول القائمة يعد خلط كبير في الأوراق  إما لضحالة المعرفة لأنه لايمكن مقارنة الاختلافات الطائفية و المذهبية و لا حتى العرقية المحدودة العدد مع مكون يتجاوز عدد سكانه أكثر من خمسة عشر بالمائة من نسبة المواطنين السوريين، أو عن معرفة و لكن لتمييع الاستحقاقات الكردية القومية و لا يمكن التعويل على مجرد الحديث بأن المكون الكردي جزء من النسيج المجتمعي السوري و هذا صحيح لكنه مجرد كلام عمومي لا يمكن البناء عليه وحتى بشار الأسد المخلوع نفسه كان يقول ذلك لكن نظامه كان يمارس أقسى أنواع التمييز العنصري بحقهم.

ماتفعله إدارة أحمد الشرع من تجاهل للقوى و الهيئات السياسية قد تنجح حيناً لكن ذلك لن يجدي نفعاً على المدى البعيد دون مشاركة حقيقية في صنع مستقبل سوريا لكل السوريين وذلك لن يحدث دون توافق سياسي و من خلال حوار وطني سوري سوري جاد و شامل حول مختلف الملفات الشائكة و الغير شائكة.

فرمز حسين

2025-02-26

ستوكهولم

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…