لماذا يتهافت الكورد على دمشق بدل فرض شروطهم من قامشلو؟

د. محمود عباس

 

في معادلة السياسة، من يملك القوة على الأرض يحدد شروط التفاوض، لكن في المشهد الكوردي السوري، يبدو أن هذه القاعدة مقلوبة رأسًا على عقب، فبدلاً من أن تجعل الأحزاب الكوردية من قامشلو مركزًا لفرض شروطها والتفاوض من موقع القوة، نراها تتهافت على أبواب دمشق، وأولهم المجلس الوطني الكوردي أو من يمثله، ولا نظن بأنهم يمثلون كلية قرار المجلس، تقدم التنازلات حتى قبل أن يُطلب منها ذلك، وكأنها تسعى لإقناع النظام بقبولها، بدل أن تفرض نفسها كطرف أساسي في مستقبل سوريا.

 فليعلموا أن دمشق تخطط لبناء دولة سوريا وفق منهجية “الأمة الإسلامية”، حيث تُمحى الهويات القومية والأقليات تحت هذا الإطار. وعندما تم استخدام مصطلح “الجمهورية السورية” بدلًا من “الجمهورية العربية السورية”، لم يكن ذلك انفتاحًا على التعددية، بل كان مبنيًا على بعدٍ إسلامي يسعى إلى إذابة جميع المكونات في هوية دينية جامعة، تُقصي الخصوصيات القومية والثقافية.

لو بقيت القوى الكوردية في مناطقها، وأعلنت بوضوح أنها لن تتفاوض إلا على أرضها، من موقع الشريك الفعلي وليس التابع، لكانت دمشق هي التي تسعى للحوار، لا العكس، لكن التهافت على العاصمة السورية جعل موقف الكورد هشًا، وأفقدهم الجرأة على حتى مجرد طرح الفيدرالية، بل صاروا يخجلون من ذكرها، وهم يقفون أمام شخصيات بلا سلطة حقيقية، ولا تملك قرارًا سياديًا في دمشق.

لقد خسرنا بما فيه الكفاية، وتم إقصاؤنا وتهميشنا في العقود الماضية، فهل هناك ما نخاف عليه اليوم؟
لا أظن أن المجتمع الدولي سيتعامل مع القضية الكوردية اليوم كما تعامل معها في السابق، حين كانت الأنظمة الدكتاتورية تتحكم بالمشهد بالكامل، فاليوم، المصالح الدولية تفرض نفسها، والعالم يدرك أن وجود قوة كوردية مستقلة ومستقرة في سوريا يخدم توازن القوى، ويمنع عودة السلطة المركزية المطلقة، وخاصة إذا كانت هذه السلطة متطرفة أو تكفيرية تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

بالتالي، التخاذل اليوم ليس خيارًا عقلانيًا، بل جريمة بحق الأجيال القادمة، لأن ما لم يُؤخذ بالقوة والتفاوض الذكي الآن، قد لا يكون ممكنًا لاحقًا.

التفاوض من موقع قوة أم من موقع استجداء؟ وهذا ما تملكه الإدارة الذاتية كقوة سياسية وعسكرية، وعلى المجلس الوطني الكوردي قبول هذا فهي افضل من التهافت على قوى سياسية وعسكرية تكفيرية متطرفة، ترفض القومية بكل أبعادها.

الحقيقة أن التفاوض الحقيقي لا يكون بالركض خلف السلطة المركزية، بل بجعلها تأتي إليك، مدركة أنك قوة لا يمكن تجاوزها، لكن الكورد، وللأسف، باتوا في موقف المتسول، يركضون إلى دمشق رغم أن النظام لا يعترف بهم أصلًا، ولا يمنحهم حتى صفة المحاور الرسمي، وبدل أن يستفيدوا من وزنهم العسكري والسياسي على الأرض، أصبحوا يتفاوضون مع شخصيات بلا تأثير، ويفاوضون من موقع المهزوم حتى قبل بدء المعركة!

وقد جاءت الدعوة التي وُجّهت إلى أحمد الشرع عقب اجتماع مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والإدارة الذاتية في قامشلو، كرسالة سياسية تحمل أبعادًا استراتيجية واضحة، رغم صياغتها الدبلوماسية والوطنية. فقد أكدت هذه الخطوة أن الحوار حول حل الإشكاليات بين دمشق وغربي كوردستان لا يجب أن يكون محصورًا بالعاصمة السورية فقط، بل يمكن أن يتم من قامشلو أيضًا، إذا كانت هناك نية صادقة للوصول إلى حل عادل ومستدام قائم على أسس وطنية حقيقية.

هذه الرسالة تعكس تحولًا مهمًا في المشهد السياسي، حيث تشير إلى أن المركزية الصارمة التي فرضتها الأنظمة المتعاقبة في دمشق لم تعد النموذج الوحيد المقبول لحل القضايا الوطنية، وأن هناك مسارات أخرى يمكن أن تُفضي إلى توافقات أكثر توازنًا، تأخذ بعين الاعتبار التعددية القومية والسياسية في البلاد.

ونأمل أن يكون للمجلس الوطني الكوردي وأطراف أخرى من الحراك الكوردي مكان بين هذه القوى في المستقبل، بحيث يُحافظ على هذا الخطاب الوطني، ويعمل الجميع على تعزيز وحدة الموقف الكوردي في أي حوار سياسي قادم، بما يخدم مصالح الشعب الكوردي وكافة مكونات سوريا، بعيدًا عن التهميش أو الإقصاء، وبما يرسّخ الحلول المستدامة التي تعترف بحقوق الجميع دون استثناء.

إذا أردنا أن نتعلم شيئًا من الشعوب التي نالت حقوقها، بل من تجارب ثوراتنا، فعلينا أن ندرك أن القادة الحقيقيين هم من يجعلون الآخرين يأتون إليهم، لا العكس. في إيرلندا، وجنوب إفريقيا، وكوسوفو، وتيمور الشرقية، لم يكن المقاتلون والمناضلون الوطنيون يسعون للتفاوض من مواقع ضعيفة، بل فرضوا أنفسهم كقوى لا يمكن تجاوزها، وهذا ما دفع الخصوم إلى تقديم التنازلات، لا العكس.

أما في الحالة الكوردية، فنرى أن الأحزاب لم تستوعب بعد هذه القاعدة، فهي التي تركض خلف دمشق، بينما كان ينبغي أن تجلس في قامشلو أو في دمشق لكن باحترام وتقدير، أو أي منطقة أخرى من مناطق سوريا، وتجبر الآخرين على القدوم إليها.

إذا استمر النهج الحالي، فلن يحصل الكورد على شيء، ولن يعترف بهم أحد كقوة سياسية حقيقية. المطلوب اليوم ليس مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بل إقناع الآخرين على الاعتراف بأن التفاوض يجب أن يتم وفق شروط الكورد، وفي مناطقهم، لا وفق شروط النظام وفي عاصمته.

نحن اليوم أمام لحظة تاريخية، إما أن نكون طرفًا فاعلًا في رسم مستقبل سوريا وغربي كوردستان، أو نتحول إلى هامش كما كنا طوال العقود الماضية، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، ومن لا يفرض شروطه اليوم، سيجد نفسه غدًا بلا مطالب أصلًا، وربما حتى بلا قضية.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

18/2/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…