كيف ابتلعت العروبة شعوبًا وحضاراتٍ بأكملها؟

د. محمود عباس

 

سؤال يستحق التأمل العميق: كيف وصلت نسبة سكان العرب إلى 431 مليونًا، بينما ذابت شعوبٌ عريقة مثل الأمازيغ، الأقباط، الكورد، السريان، الآشوريين وغيرهم في بحر العروبة؟

الإجابة لا تكمن فقط في العامل الديمغرافي الطبيعي، بل ترتبط بمنظومة تاريخية وسياسية وثقافية تمتد عبر قرون، حيث لعبت عوامل عديدة دورًا جوهريًا في تعريب هذه الشعوب وإضعاف هوياتها الأصلية.

  1. الفتح والاستيطان: مع الفتوحات الإسلامية، لم يكن التأثير مقتصرًا على الدين فقط، بل ترافق مع سياسات استيطانية ممنهجة، حيث استقرت القبائل العربية في المناطق المفتوحة، وفرضت ثقافتها ولغتها على الشعوب الأصلية.
  2. القوة السياسية والدينية: هيمنت الأنظمة العربية المتعاقبة على الحكم في بلدان المشرق والمغرب، مستخدمة سلطتها في فرض العربية كلغة رسمية، وإقصاء اللغات والثقافات الأخرى، كما حدث مع الأمازيغية والكوردية والقبطية والآرامية وغيرها.
  3. التهميش والقمع: تعرضت الهويات غير العربية إلى سياسات قمعية، فمنعت لغاتها، وتم طمس معالمها الثقافية، وأحيانا أُجبر سكانها على تبني هوية عربية لضمان البقاء في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
  4. التأثير الديني: الإسلام بحد ذاته لا يفرض التعريب، لكنه استُغل سياسيًا من قبل السلطات، فتم ربط الهوية الدينية بالهوية اللغوية، حيث اعتُبرت العربية لغة مقدسة، وجرى الترويج لها على أنها جزء لا يتجزأ من الانتماء الديني، مما دفع الكثير من الشعوب غير العربية إلى تبنيها على حساب لغاتها الأصلية. على سبيل المثال، كشفت إحصائية رسمية حول الانتماء القومي والعرقي لسكان شمال إفريقيا أن نسبة العرب الأصليين لا تتجاوز 4% من سكان تونس، وتتراوح بين 10-15% في الجزائر والمغرب وليبيا، في حين أن الأغلبية الساحقة من السكان تنحدر من الأمازيغ، والبربر، والطوارق. ومع ذلك، فقد تعرضوا لعملية تعريب ممنهجة، سواء تحت غطاء الدين عبر ربط اللغة العربية بالقرآن الكريم، أو من خلال سياسات السلطة التي فرضت العروبة كهوية ثقافية وسياسية رسمية، مما أدى إلى تآكل الهويات الأصلية لهذه الشعوب بمرور الزمن.
  5. العولمة القسرية والتحديث المشوّه: مع دخول مفاهيم القومية في العصر الحديث، رُبط مفهوم الدولة القومية بالوحدة اللغوية، فتم تعزيز العروبة كنظام سياسي وثقافي، وأُعيدت كتابة التاريخ ليتلاءم مع هذه النزعة الإقصائية، ما جعل الكثير من الأجيال الجديدة تنشأ ضمن هوية عربية مفروضة، دون وعي بجذورها الأصلية.

النتيجة هي ما نراه اليوم: شعوبٌ امتلكت حضارات عظيمة، وتاريخًا يمتد لآلاف السنين، لكنها انصهرت في بوتقة العروبة بفعل عوامل سياسية وثقافية واقتصادية ممنهجة، بينما بقيت القلة صامدة تحاول الحفاظ على هويتها في وجه هذا المد الجارف.

ولكن، هل يمكن أن تستمر هذه الحالة إلى الأبد؟ أم أن إحياء الهويات الأصلية لهذه الشعوب سيُعيد التوازن إلى الخريطة الثقافية المتباينة والمتصارعة في المنطقة، ليصبح عاملًا من عوامل الاستقرار والتقدم والازدهار؟ هذا السؤال ليس مجرد طرح فكري، بل هو جوهر الصراع القائم اليوم بين الدول التي تُسمى جدلًا بالعربية، باستثناء الدول والممالك العربية الأصيلة في الجزيرة العربية. بل إن هذا الصراع يمتد حتى داخل الدولة الواحدة، كما هو الحال في سوريا، حيث تتداخل العوامل التاريخية والجيوسياسية في رسم ملامح مستقبلها.

إن سوريا التي يجب أن تكون لكل السوريين لا يمكن بناؤها على أساس القومية الواحدة أو الحكم المركزي القسري، فالتاريخ أثبت أن محاولة إذابة التعددية القومية والدينية في بوتقة واحدة لم تؤدِّ إلا إلى صراعات مستمرة وتهميش هويات أصيلة، من هنا، تبرز الحاجة إلى نظام فيدرالي لا مركزي، مثبت بالدستور، يضمن حقوق جميع المكونات، ويخلق الثقة بين شعوبها.

مثل هذا النظام لن يكون مجرد حل إداري، بل عاملًا أساسيًا في استقرار المنطقة، فهو سيمكن المكونات المختلفة من إدارة شؤونها بحرية، مع الحفاظ على وحدة البلاد ضمن إطار سياسي متوازن يراعي المصالح المتبادلة ويؤسس لنهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

17/2/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…