كونفرانس بلا كاميرا في زمن الفضائيات

عبدالعزيز قاسم 
لم يكن الكونفرانس الرابع لممثلية اتحاد كتّاب كردستان سوريا في أوروبا، المنعقد في 27 كانون الأول / ديسمبر في مدينة دوسلدورف الالمانية، حدثا عابرا أو نشاطا شكليا يمكن تجاهله. لقد كان مناسبة ثقافية – قومية بامتياز، جمعت كتابا ومثقفين وأكاديميين من مختلف أجزاء كردستان ومن الشتات، ومن القفقاس ودول الاتحاد السوفيتي السابق، في مشهد نادر يعكس وحدة الهمّ الكردي رغم تباعد الجغرافيا وتعدد اللهجات.
في الجلسة الافتتاحية، ارتفعت أصوات الكلمة الحرة بثلاث لهجات كردية رئيسية: الكرمانجية، السورانية، والزازية. لم يكن هذا التنوّع زينة لغوية، بل تعبيرا حيا عن هوية كردية واحدة متعددة الأبعاد. نوقشت قضايا اللغة والأدب، وتوقف المشاركون مطولا عند مأساة ضياع اللغة الكردية لدى أطفال الشتات، وضرورة إيجاد آليات حقيقية للحفاظ على الهوية القومية في المجتمعات الأوروبية التي تذيب الهويات الضعيفة بلا رحمة.
ورغم كل ذلك، كان الإعلام الكردي غائبا غيابا فاضحا. غائبا ليس صدفة، بل كعادة باتت مقلقة. 
دعيت وسائل الإعلام الكردية رسميا من قبل اللجنة المنظمة، ومع ذلك لم يحضر أحد، وحتى لو افترضنا جدلًا أن بعض الفضائيات لم تتلق دعوة، فهل يحتاج الإعلام إلى دعوة كي يؤدي واجبه؟ أم أن متابعة الشأن الثقافي الكردي لم تعد من أولوياته؟
إن إعلاما لا يرى في نشاط ثقافي كردي جامع خبرا يستحق المتابعة، هو إعلام منفصل عن شعبه، أو أسير أجندات ضيقة لا علاقة لها بالثقافة ولا بالهوية. 
هذا النوع من الإعلام لا يختلف كثيرا عن ذهنية الإقطاع السياسي والثقافي، حيث يُقرر ما يرى وما يطمس، ومن يسمع صوته ومن يُطدفع إلى الهامش.
المفارقة المؤلمة أن هذا الإعلام يدّعي تمثيل شعب يتوق إلى الحرية، بينما يمارس في سلوكه اليومي إقصاء ثقافيا صامتا. فكيف يمكن لإعلام يتجاهل الكتّاب والمثقفين أن يدّعي الدفاع عن القضية الكردية؟ وأي قضية يمكن أن تعيش بلا لغة، وبلا أدب، وبلا ذاكرة؟
إن تغييب الكونفرانس الرابع لاتحاد كتاب كردستان سوريا في أوروبا ليس مجرد تقصير مهني، بل هو موقف سياسي وثقافي سلبي، يعكس أزمة عميقة في فهم دور الإعلام; فالإعلام الذي لا يقف إلى جانب الثقافة، لا يمكنه يوما أن يكون في صف الحرية.
والسؤال الذي يبقى معلّقا:
هل نملك إعلامًا كرديا حرا فعلا، أم مجرد منصات ترفع شعار الحرية وتمارس نقيضها؟.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…