كتاب «من أسقط التمثال؟- شهادات وحوارات في انتفاضة آذار الكردية 2004 » الحلقة الثالثة والعشرون (أكرم درويش*)

عندما أتذكّر انتفاضة قامشلي؛ فإنّني أتذكّر فلذة كبدي، ولدي أنس، وتدور في ذاكرتي عشرات الأحداث التي مرّ بها في حياته العملية والاجتماعية، كان أنس طيب الخلق، رقيق القلب، رحيماً، حنوناً، ويحترم الصغير والكبير، كان جريئاً وصلباً لا يهاب الموت في سبيل قضيّته الكردية، وكان له الحصّة الأكبر في أرشفة الأفلام الوثائقية في استوديو درويش ومكتب الحزب “التّقدميّ” (البيشفرو) والاحتفاظ بها.. وفي كلّ مناسبةٍ قوميةٍ كانت تدار حلقات الدبكة وإشعال الشموع مع رفاقه من أمام باب استوديو درويش ويجتمع الجيران والمارّة، حتى تكاد أنْ تكون تظاهرةً حقيقيةً.

ما حدث في مساء يوم 12/3/2004م، هو أنّنا كنّا في مدينة عامودا، وبعد الانتهاء من تصوير حفلة خطوبةٍ حاولنا العودة إلى البيت أنا وأنس مع أهل العريس، وعند مدخل عامودا  أرجعونا، وقالوا لنا أصبح الوضع شديد الخطورة، وممنوع التجول في مداخل ومخارج مدينة قامشلي، وكانت الصدمة عندما بدأنا بالاتصالات وعلمنا بأنّ هناك اعتقالاتٍ وشهداء وجرحى..!.

في صباح يوم 13/3/2004م، وفور عودتنا إلى قامشلي فتحتُ باب الاستوديو، ووضعتُ فلماً جديداً 36 صورة في الكاميرا وأعطيتُها لأنس، ووضعتُ كاسيت فيديو مدّته 3 ساعات، ودخلنا جامع قاسمو، ولم نذهب إلى البيت؛ لأنّني طمأنتُهم عبر الهاتف، وعندما دخلتُ إلى الجامع وجدتُ جثمان الشهيد غيفارا خلف برو الوحيد في مغتسل الجامع، وكان الدم يسيل من صدره، حيث كانت إصابته بطلقةٌ في صدره خرجت من ظهره قرب العمود الفقريّ، وعندما شرع الملا بشير بغسله، قلتُ له: رجاءً اتركه كما هو؛ لأنّ الشهداء لا يُغسلون.

وعندما بدأتُ في التصوير كانت ساعة الكاميرا تشير إلى الثامنة وعشر دقائق صباحاً، ولم يمض نصف ساعة تقريباً حتى أحضروا بقية جثامين الشهداء إلى الجامع، وتجمّع الناس بالآلاف من نواحي وبلدات وحارات قامشلي، رافعين لافتاتٍ سوداءَ وشعاراتٍ تندّد بالمجزرة التي حصلت.

وفي هذه الأثناء نسّقتُ أنا وأنس مهمة التصوير لتغطية الحدث، وصعدنا فوق سطح بناية الشيخ، مقابل الجامع مباشرةً، وبدأنا بمهمتنا على إيقاع هتافاتٍ وشعاراتٍ تندّد بالمجزرة التي حصلت في يوم أمس، وفجأةً بدأتُ أسمع صوت أنس عبر مكبّرات الصوت، وهو يقرأ بيان الأحزاب بكلّ جوارحه من خلال منبر جامع قاسمو، فنزلتُ من فوق السطح مسرعاً إليه، وبدأتُ أصوّر مدّة ثلاث دقائق وأنا سعيدٌ جدّاً بما يقوم به، وفيما بعد قال لي إمام الجامع الملا بشير بأنّ أنس طلب منه مفتاح المنبر وأعطاه إيّاه.

وهكذا امتلأ شارع الأتاسي- طريق عامودا- بجماهير المشيعين، الذين انتفضوا بالهتافات والشعارات وصرخات الاحتجاج، بعد أنْ أخرجوا الجثامين من الجامع واتجهوا إلى مقبرة قدور بك، مروراً من شارع الأتاسي عبر مركز المدينة، وفي هذه اللحظات ضيّعت أنس، وأنا ما زلت مستمرّاً في تصوير الجماهير الغاضبة المحتجّة أثناء خروج جثامين الشهداء المحمولين على الأكتاف إلى أنْ سبقت بداية المظاهرة بواسطة سيارةٍ عبر الحارات، وصعدتُ فوق شرفة إحدى الشقق مقابل الحديقة العامة، وبدأتُ التصوير حتى نهاية امتداد المظاهرة، وعندما حاولتُ أنْ أبدأ التصوير من أمام جامع زين العابدين، لاحظتُ التّوتّر والتّجمّع الأمنيّ الكثيف ومن بينهم الكرد مشكّلين حلقةً لحماية تمثال الرئيس، وبسرعةٍ أخفيتُ الكاميرا ضمن الكنزة، بعد أنْ خلعتُها وعدتُ مسرعاً إلى البيت؛ لحماية الكاسيت ونسخته مباشرةً، لكنّ أنس ورفاقه ووالدته أكملوا السير مع المظاهرة الغاضبة حتى مركز الأعلاف ومبنى الجمارك حين بدأ إطلاق النار على المحتجّين ومازال أنس يصوّر ويساعد في إنقاذ الجرحى مع رفاقه في الشارع، إذْ وضعوهم في سيارات البيك آب لإسعافهم.. ومازالتْ هناك عشرات الصور التي التقطها أنس ولم تنشر بعد وهي موجودةٌ في (النيكاتف) ولم تطبع بعد، وبعد أنْ عادوا إلى البيت سالمين صرتُ أسألهما؛ أيْ أنس وأمّه: أين كنتما..؟ كنتُ أبحث عنكما..؟!.

وسرعان ما أخذ أنس الكاسيت وذهب إلى زميله بازو عباس إسماعيل، وقاما بإيصال بعض المقاطع إلى إحدى قنوات كوردستان وتركيا؛ لنشرها.

وفي اليوم الثاني اتفقنا أنا والأخ بهاء شيخو بأنْ نقوم بزيارة الجرحى في مشفى الرحمة في قامشلي، وطلبتُ من بهاء شيخو أنْ يحضر معه كاميراته المنزلية الصغيرة؛ لأنّها سهلة الإخفاء، ووضعناها في كيسٍ للفواكه، ودخلنا المشفى بسهولةٍ؛ لأنّ كوادر الممرضين والأطباء يعرفوننا، ولذلك أفسحوا لنا المجال لنقوم بواجبنا نحو الجرحى، الذين أجريتْ لهم عملياتٌ جراحيةٌ، وبدأنا التصوير، وقام بهاء بالتكلم معهم ويسألهم عن صحّتهم، وما حصل لهم عند إصابة كلٍّ منهم، والمكان الذي أصيب كلٌّ منهم فيه.

والحدث الثاني هو ما حصل في مساء يوم 20/3/2004م، كان الجو متوتراً جداً في الشارع العام وحتى “طلعة الهلالية”، حيث سيارات الأمن والإطفائية وقوات التدخل السريع، وكنّا أنا وأنس فوق أسطح  البيوت المطلة، نراقب المشهد ونواصل التصوير، وفي حوالي الساعة الثامنة مساءً بدأ إطلاق نارٍ كثيفٍ وبشكلٍ عشوائيٍّ من كلّ اتجاهات الحيّ (كلّ هذا موثّقٌ في الفيديو) وهنا اختفى أنس ولا نعلم أين هو..؟.

في حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، اتصل بنا شخصٌ من هاتف مشفى (فرمان) وقال: أنس بخيرٍ ولا يستطيع أنْ يأتي إلى البيت؛ لأنّ المشفى محاصرٌ.. وفي صباح اليوم التالي عاد أنس إلى البيت، وشرح لنا ما حصل معه وهو يقول: إنّه دخل المشفى مع الشباب الذين يأتون بالجرحى وهو يساعدهم ويدخل إلى غرفة العمليات التي كان الأطباء النبلاء يقومون بواجبهم الإنساني، وهم يقومون بإجراء العمليات للمصابين بطلقاتٍ ناريّةٍ، وترى هنا الدماء في كلّ مكانٍ، وأنين الجرحى يتعالى، وصراخ أنس وهو يقول: هذا كرم بن إبراهيم اليوسف منادياً الأطباء: إنّه حيٌّ.. وفي تلك اللحظات طوّق الجيش المشفى، وقال أنس: إنّ الدكتورة آنا فرمان جاءت وأخذت منّي الكاميرا وفتحت لي باب إحدى غرف التشريح، وأغلقت عليّ الباب قبل أنْ يداهم الجيش المشفى، وحين هدأ الوضع، أتت الدكتورة آنا ووضعتْ السلم في فناء بيتها، وأنزلته من شباك الطابق الأول إلى الحديقة، وذهب منها إلى بيت الجيران، وانطلق من هناك بسرعةٍ إلى مكتب- البيشفرو- بعد أنْ أخرج الكاسيت من الكاميرا، وبقيت الكاميرا في بيت الدكتور عبدالعزيز فرمان مدّة ثلاثة أيامٍ، إلى أنْ ذهبتْ أمّ أيمن وأعادتها إلى البيت، وكلّ المعلومات موثّقةٌ بالصور والفيديو..

هناك الكثير من الأمور التي قام بها أنس، من بينها أنّه أعدّ روزنامةً سنويةً لحزب البيشفرو، وهي عبارةٌ عن توثيقٍ للمناطق الأثرية الكردية، من جبال قرجوخ مروراً بالمالكية وقامشلي وكوباني وعفرين وحلب ودمشق، وهي موجودةٌ في أرشيف البيشفرو.. حتّى إنّ شعار الحزب من تصميمه، كما أنّه افتتح مدرسةً لتعليم اللغة الكردية مع رفاقه معتمداً على  قطع أثاث بسيطةٍ من بيتنا؛ ولهذا فقد سلّمتُه زمام الأمور في الاستوديو، الذي قام بتطويره بأجهزة المونتاج والكاميرات الحديثة

– توفي المصور أنس أكرم درويش بعد إصابته بمرضٍ عضالٍ وهو في أوج شبابه.

– تمّت مساعدة المرحوم أنس وأيهم اليوسف بالهروب إلى منزل السيد يوسف حيدر والد الشاعر أحمد حيدر والسياسي دحام ويقع جنوب المشفى، وكانتِ المشفى قطعةً من أرض هذا المنزل قبل بيعه إلى د. عبدالعزيز فرمان.. وتمّ اعتقال آراس اليوسف في تلك الليلة.

 

*مصور فوتوغرافي يعد الأستوديو الذي يديره ذاكرة لمدينته ومحيطها

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest


0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كلستان بشير الرسول   شهد العالم أجمع هذا العام احتفالات مميزة بعيد النوروز، خرجت عن إطارها المعتاد والمتعارف عليه في كل عام، فأصبح الاحتفال بعيد النوروز احتفالا على صعيد أوسع وأشمل. فعلى سبيل المثال، في مدينة كيل الألمانية بمقاطعة شلسفيك هولشتاين، أقامت البرلمانية الكوردية سيران بابو، الممثلة عن حزب CDU، احتفالا كبيرا في مبنى البرلمان الألماني في تلك المقاطعة، حضره…

د. محمود عباس   وكأن الله كان هناك، يرقب من خلف غيمةٍ صامتة، حين صعدت الفتيات الإيزيديات إلى الجبال، عارياتٍ من كل شيء إلا من الذعر. وكأن صمته كان جزءًا من المشهد، حين ارتفعت راياته السوداء فوق القرى، لا لتبشّر بنوره، بل لتعلن بدء مجزرة جديدة، تُكرّس وصمة العار على جبين الإنسانية، وتُنطق الأرض بما سكتت عنه السماء. ما جرى…

شكري بكر   بادئ ذي بدء، نلاحظ أن القاموس السياسي بحث وتحدث مطولا عن المؤامرة والتآمر. فماذا تعني المؤامرة؟ المؤامرة في السياسة تشير إلى مجموعة من الأشخاص أو الأحزاب تتحد بهدف تغيير أو الإطاحة، أو لاغتصاب قرار سياسي محدد. وللمؤامرة شكلان: خارجي وداخلي. الخارجي: هو أن تفرض دولة أجنبية سيطرتها على دولة أو شعب آخر خارج حدود دولتها. أما الداخلي:…

شادي حاجي يلاحظ بشكل واضح أن هناك تخوف أو تهرب من قبل النشطاء الكرد في سوريا الذين عادة ما يتناولون الشأن السياسي الكردي في سوريا بشكل يومي صباحاً ومساء ولايتركون لا شاردة ولا واردة إلا ويدلون بدلوهم في بحثها ومناقشتها وإبداء رأيهم فيها إلا في مسألة الخلاف الذي ظهر بين كل من المجلس الوطني الكردي في سوريا وأحزاب الوحدة…