ما زلتُ أتذكّر ذلك اليوم الذي لا يمكن أنْ يُنسى.. وذلك عندما قمتُ بجمع عددٍ من نساء الحيّ، وتوجّهنا إلى الحيّ الغربيّ في قامشلي؛ لنجتمع عند- جامع قاسمو-، حيث سينطلق من هناك موكب- شهداء انتفاضة الثاني عشر من آذار-؛ احتجاجاً على المجزرة الرهيبة التي حدثتْ في الملعب البلديّ في قامشلي. أعدَدْنا لافتةً وكتبنا عليها عبارة: “نريد السلام” لم يكن لدينا في تلك اللحظة ما يكفي من قماشٍ، فمزّقنا إكليل عرس إحداهنّ أنا وصديقتي- قدرية برجس- ومضينا أنا وقدرية حتّى- دوار السبع بحرات- كنّا نطالب بتسليمنا الجرحى، وكانت أسماء أربعة شهداءٍ فقط قد وصلتنا.. كان يقال لنا إنّ الضحايا بالمئات. في الليلة السابقة كان هناك من نام في الحديقة حتى الصباح، قمتُ بالكثير في الليلة الأولى للانتفاضة، وهددّت بيوت بعض أزلام النظام قائلة: يجب أنْ تسلّمونا جرحانا.. مررتّ بالمشفى ومن معي وأعطيتُ مبلغاً من المال لذوي الجرحى.
في يوم الثالث عشر من آذار عدنا من منطقة- العلف- ونحن نشيّع شهداء يوم أمس.. كان الرصاص ينهمر كالمطر، أتذكّر أنّ أمّي كانت مريضةً.. كان الحماس على أشدّه بيني وبين نفسي كما هو حال كثيراتٍ وكثيرين، كنتُ أتصوّر أنّه انقلابٌ على النظام وأنّ سقوط النظام وشيكٌ..
عندما وصلنا كازية بدر- سابقاً- كازية ميديا حالياً، تمّ إطلاق النار على المتجمعين الذين كانوا قد أعدّوا- حاجزاً من الحجارة-، تشتّت المجتمعون، بعضهم راح يختبئ وراء محطّة الوقود، أحسستُ في تلك اللحظة أنّه يوم القيامة، كان يوم انتفاضةٍ حقيقيةٍ.. أحد الشباب أصيب برصاصةٍ، فتح صدره بعد أنْ رمى قميصه وصار يصرخ: لا تخافوا خلقنا للمواجهة لا للاختفاء..
أغلب قاطني الشارع جاؤوا.. حمل رجال الأمن الشاب الجريح وأدخلوه سيارتهم، هجمنا على السيارة لمنعهم من أخذه، إلا أنّهم أخذوه عنوةً وهم يطلقون الرصاص باتجاهنا.. عدنا للاحتماء خلف المحطّة.. بعد أنْ تمّ إلقاء القبض عليّ وعلى حوالي عشرة شباب، رمونا في مؤخّرة السيارة، ضربونا بأعقاب البنادق، صرختُ في وجوههم، أحدهم وضع إصبعه في عيني قائلاً: (سأقتلع عينيك هاتين قبل “أنْ تري كردستان”).
انهالوا عليّ ضرباً وغدوتُ بين أقدامهم كما كرة القدم.. كانت الضربات تنهال عليّ، ما عدتُ أشعر بالألم.. أدركتُ فيما بعد أنّ ذلك تمّ نتيجة موت العصب..! كانت السيارة تمضي بنا تجاه مركز المدينة، وكنتُ في كامل وعيي.. كنتُ أعرف أين بيتي..؟ أعرف الجهات.
سألوني لم شاركتُ في أعمال الشغب..؟ قلتُ لهم: كنتُ أبحث عن ابني.. والمكان الذي ألقيتُم فيه القبض عليّ يقع قرب بيتي.. وجدتُ التجمع فرحْتُ أبحث عن ابني..، (لن تروا كردستان) عبارةٌ كان العناصر يقولونها لنا، وينهالون علينا بالعصي والركلات وأعقاب البنادق.. أصيبت أذني اليسرى وتعالجتُ طويلاً لدى طبيب الأذنية يوسف عبدالعزيز، ومازالت أذني معطوبةً نتيجة ذلك الضرب المبرح، كانوا يشتموننا، يشتمون نساء الكرد.. قادتهم.. وأنا بين أيديهم في السيارة كنت أقول في نفسي: ليت الشباب الكرد المنتفضين يحرقون السيارة ولأحترق أنا معهم، لئلا أهان وأدخل السجن ويعتدى على كرامتي، قلتُ: يا الله.. أتوسّل إليكَ ألا يعتقلوا امرأةً كرديةً غيري ولأكن أول وآخر كرديةٍ تُعتقل بأيدي هؤلاء الأوغاد.
استغرقتْ السيارة حوالي عشرين دقيقة قبل أنْ نصل- فرع أمن الدولة-، قلتُ للشباب الذين تمّ القبض عليهم وكانوا معي في السيارة: كونوا أقوياء..
وضعتُ رأس أحد شبابنا الجرحى على ركبتي.. كان ينزف دماً، وقلتُ: ستكون لنا دولةٌ.. دعينا رجاءً.. أيّة دولةٍ.. قالها أحدهم وهو من”…..”، ثمّ أخذتُ الهاتف المحمول لأحدهم، حاولتُ الاتصال ببيتنا إلا أنّني كنتُ قد نسيته.. تذكّرت رقم جيراننا بيت أبي عزت، وأسرعتُ بالاتصال: أنا موقوفةٌ عند الأمن مع مجموعة شبابٍ.. أعلموا فؤاد.. أمّي مريضةٌ حاولوا ألا تعلموها.
ما زلتُ في كامل وعيي.. لقد وصلنا قرب مشفى النور، دفعونا دفعاً إلى القبو، نزلنا ثلاث أو أربع درجاتٍ وتلقّينا الرّكلات واللكمات.
قال المحقّق: (خذوا الجريح إلى المشفى)، كانت غرفة التحقيق ملأى بأدوات التعذيب.. (سنقلع عينيكِ) وشدّني المحقّق من شعري (مصيرك القبر).
شعري الذي سقط من جرّاء شدّه لممتُه، ووضعتُه في جيبي، لئلا يحبط الشباب الذين معي ممن ألقي القبض عليهم.. في تلك اللحظة كنتُ أبحث عن مسمارٍ أضعه في- مأخذ الكهرباء-؛ لأصعق وأموت قبل أنْ يمسّني أحدهم.
سألني المحقّق- الديريّ- بغضبٍ: لِمَ شاركت مع هؤلاء..؟، أجبتُه: كنتُ أبحث عن ابني..، فراح يوجّه إلي الشتائم والتهديدات.. هجمتُ عليه؛ لأسحب مسدّسه وأقتل نفسي، إلا أنّه ركلني وطلب مني أنْ أدير وجهي إلى الجدار وأنْ أرفع كلتا يديّ إلى الأعلى، لم أكن أقدر على الوقوف على رجليّ نتيجة الضرب الذي تعرّض له كلّ جسدي.
هناك أمرٌ مهمٌّ حدث وهو أنّه قد وردتْهم أوامرُ بأنْ يجمعوا الأوراق والملفّات السّرّيّة، وصاروا يضعونها في- كراتين كثيرة- لينقلوها إلى مكانٍ ما.
دخل الغرفة ضابطٌ من الساحل السوري وقال: اليوم يتمّ انقلابٌ في قامشلي وها نحن نأخذ أوراقنا وملفاتنا بعيداً عن مواقع الخطر، ثمّ أضاف: أنا شخصياً أحبّ الكرد..
كنتُ أسمع في تلك اللحظة أصوات عناصر الفرع وهم فَزِعون، يهتفون لذويهم: اخرجوا من قامشلي عبر الطرق الترابية.
كانت جدران الغرفة ملطخة ببقع الدم. كنت أفكر في بيتي قائلة:
بيتي يقع ها هناك. ما حال أمي المريضة؟
قال الضابط الساحلي:
أرجوك سأرسل زوجتي. أولادي عندكم
لا أدري هل كان جاداً؟ شخصياً أجزم ذلك
قلت له:
أريد دواء، أعاني من مرض الشقيقة!
استجاب لطلبي فوراً، وأمرهم أن يلبوا ما أردت. أعطوني كأس ماء و مسكناً تناولته على وجه السرعة. حاولت كسر كأس الماء كي أطعن به أحداً منهم وأقتل نفسي. فاجأني الضابط الساحلي بأن طلب مني عنوان بيتنا. ستعودين إلى أسرتك لاتقلقي
قالها وأنا غير مصدقة
كل من هم هناك من عناصر الأمن كانوا يهاتفون أهاليهم للاطمئنان. كانوا يواصلون إفراغ الدروج والخزانات من الوثائق وأسماء العملاء ويضعونها في” كرتونات” ويخرجونها من الفرع. أخرجني الضابط من الغرفة وأوصلني إلى مقربة من مشفى النور، برفقة أربعة مسلحين. خطر في بالي أن أهجم على حارس الكولبة وأنتشل رشاشه من بين يديه وأقتل من حولي. كنت أرتجف غيظاً وأنا أرى بقع الدم في الطرقات. كانت صورة المحقق الديري لا تفارق عينيَّ، وأنا أقول في نفسي:
يجب أن أقتل وأُقتل!
كلمات الضابط الديري ترن في أذني وهو يحرضهم للاعتداء علي.
مرت من قربنا سيارة طبيب كردي” ….” وزوجته الطبيبة”…”. أوقفهما الضابط الساحلي وطلب منهما إيصالي إلى البيت. ركبت السيارة. شعرت بالاطمئنان إلا إن ما آلمني أن الطبيب لم يهتم بي. لم يسألني ما حالي؟ لم يفكر بإعادتي إلى عيادته القريبة لمعالجتي.. كان يناقش زوجته حول أجور معاينات اليوم، كل ما فعله أنه أوصلني للبيت. في السادسة والنصف عدت إلى البيت، بعد حوالي ثلاث ساعات من التوقيف. ابني الذي كان في الصف السادس كان قد قرر في غيابي أن يهاجم الثكنة العسكرية:
يجب أن أنقذ أمي من بين أيديهم.
لم أكن أصدق أنني قد تخلصت منهم. تفاجأت أن أهل الحي كلهم عرفوا بأمر- خطفي وأسري- إلا إن أمي المريضة لم تكن قد سمعت. حالتي النفسية كانت جد سيئة. آثار الضرب على وجهي وجسدي. شعري يبدو منفوشاً تيبست عليه الدماء. لم أستطع تلك الليلة النوم من شدة غضبي وقهري وحزني على من تركتهم ورائي بين أيدي هؤلاء الجلاوزة.
كنت أسترسل في خيالات وهلوسات غريبة، أحلم بلحظة حدوث انقلاب في الوطن:
سأفعل كذا وكذا بعد الانقلاب
في الصباح نظرت إلى وجهي في المرآة. كان الورم قد ازداد. جزء كبير من شعري قد تساقط.
كنت أكتب حتى تلك اللحظة بالعربية أحياناً، إلا إنني أقسمت منذ ذلك اليوم:
ألا أكتب إلا بلغتي الأم، وها أكتب القصة والمسرح والسيناريوات بلغتي الأم
===========
* ناشطة نسائية تم توقيفها لساعات في يوم الثالث عشر من آذار 2004