قطار التغيير في سوريا يتحرك ببطء وسط مطبات المصالح

 عبدالجابر حبيب

 

رفع العقوبات: الخطوة الأولى نحو إنعاش اقتصادي

وسط تحولات إقليمية متسارعة، ومساعٍ دولية لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في سوريا، يطرح توقيع اتفاقات جديدة تساؤلات جوهرية حول إمكانية الخروج من عنق الزجاجة، ولاسيما أن العقوبات الدولية المفروضة على سوريا شكّلت منذ عام 2011 واحدة من أبرز العقبات أمام أي نهوض اقتصادي أو استثماري حقيقي. فقد قيّدت تلك العقوبات حركة التجارة، وجمّدت الأصول، وأبعدت المستثمرين، مما ساهم في تدهور البنية التحتية، وانهيار الخدمات العامة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

اليوم، تفتح الاتفاقات الجديدة باب الحديث عن إمكانية رفع تدريجي لتلك العقوبات، خاصة إذا التزمت السلطة الانتقالية بقيادة الشرع بالشروط المطروحة، وعلى رأسها التعاون مع التحالف الدولي، وإرساء أسس حكم جديد أكثر شمولاً. ويرى خبراء أن أي تخفيف للعقوبات سيؤدي إلى تدفق الاستثمارات، واستئناف مشاريع إعادة الإعمار، وتنشيط الاقتصاد المحلي.

ما ينتظره السوريون: أمن وعدالة ودولة تمثل الجميع

في ظل الغموض السياسي الذي خيّم على المشهد السوري لأكثر من عقد، بقيت تطلعات الشعب السوري بسيطة في مضمونها، عميقة في معناها. المواطن السوري، الذي دفع ثمن الحرب من أمنه وبيته وكرامته، لا يطلب أكثر من دولة عادلة، تمثله وتحميه، وتوفر له شروط الحياة الكريمة.

ويُجمع مراقبون على أن نجاح المرحلة القادمة يتوقف على تحقيق العدالة الانتقالية، ووضع دستور جديد يراعي مكوّنات المجتمع السوري كافة، من دون إقصاء أو تمييز. كما يشكّل ملف المعتقلين والمفقودين تحدياً كبيراً، لا يمكن تجاهله في أية عملية مصالحة حقيقية.

التحديات أمام السلطة الجديدة: هشاشة الداخل وبقايا النفوذ القديم

رغم أن الاتفاقات الأخيرة تضع أسساً أولية لمرحلة انتقالية جديدة في سوريا، إلا أن الطريق أمام الحكومة الناشئة بقيادة السيد الشرع لا يزال محفوفاً بالعقبات السياسية والأمنية والاجتماعية. فخارطة النفوذ في البلاد لم تتوحّد بعد، وبعض المناطق ما زالت خارج نطاق الدولة المركزية. في إدلب مثلاً، تسيطر جماعات دينية متطرفة ترفض الانخراط في أي مشروع وطني، وتعمل وفق أجندات عقائدية تتعارض مع مفهوم الدولة المدنية الواحدة.

في المقابل، لا يزال ما بقي من النفوذ الإيراني والروسي فاعلاً في الخفاء، لا سيما في الساحل السوري، حيث يواصل الطرفان دعم بقايا فلول النظام السابق، كما ظهر بوضوح في أحداث الساحل الأخيرة، التي أعادت تسليط الضوء على حجم التداخل بين البنى الأمنية القديمة ومحاولات إجهاض أي مشروع تغييري جاد.

وتبقى ملفات مثل طرد المقاتلين الأجانب، وإخراج الفصائل الفلسطينية المسلحة من الداخل السوري، ومعالجة ملف مخيم الهول المعقد، وإرساء خطوات جادة نحو عدالة انتقالية، وصياغة دستور يراعي خصوصيات وتطلعات كل المكونات السورية، من أكثر المهام حساسية. وهي مهام تتطلب توافقاً دولياً، وإجماعاً داخلياً، وإرادة تنفيذية صلبة.

في الجنوب، تبدو الأمور أكثر تشابكاً، لا سيما فيما يخص المكوّن الدرزي، حيث تتصاعد الدعوات للبحث عن حل توافقي يضمن تمثيل الدروز ضمن بنية الدولة الجديدة دون تهميش أو تمييز، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والسياسية لهذا المكوّن التاريخي.

أما في شمال شرق سوريا، حيث تنتشر قوات سوريا الديمقراطية، وهي القوة الأكثر تنظيماً في البلاد حالياً، فإن التحدي الأكبر يتمثل في إيجاد صيغة متوازنة لدمج هذه القوات ضمن مشروع الدولة، مع تقديم ضمانات حقيقية للكرد باعتبارهم مكوناً أساسياً من مكونات المجتمع السوري، ما يتطلب توافقاً صريحاً على نظام لا مركزي يضمن العدالة والمشاركة السياسية.

تقاطعات ومصالح: خريطة إقليمية معقّدة

التحولات الجارية لا يمكن قراءتها بمعزل عن التغيرات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالتطبيع العربي مع إسرائيل تحت مظلة المشروع الإبراهيمي، وعودة الاهتمام الأمريكي بإعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط، بما يشمل الملف السوري.

من جهة أخرى، تسعى تركيا إلى تصدير أزمتها الكردية إلى العمق السوري، مقابل تخفيف الضغط عنها داخلياً، في حين تراقب إيران وإسرائيل الوضع عن كثب، ولكل منهما حساباته التي تتقاطع تلك مع مع حسابات روسيا في بقاء قواعدها في الساحل.

السيناريوهات المحتملة: بين أمل التنمية ومخاوف الاستنساخ

ثمة من يرى أن سوريا قد تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، شبيهة بنماذج بعض الدول الإفريقية التي شهدت استثمارات ضخمة وسط هشاشة سياسية. لكن في المقابل، يُحذّر آخرون من إعادة إنتاج منظومة المصالح القديمة، بقوالب جديدة، دون أي تغيير جوهري في أسس الحكم أو توزيع السلطة.

ويبقى الرهان الأكبر على مدى قدرة القيادة الانتقالية على استثمار اللحظة، وبناء تحالف داخلي متماسك، يقود عملية التحوّل دون تغليب مصالح الخارج على الداخل.

هل يتحرك القطار السوري أخيراً؟

المشهد السوري يبدو وكأنه يقف على سكة جديدة، بينما القطار بدأ يتحرك، وإن ببطء. لكن طريقه لا يزال محفوفاً بالعراقيل نتيجة المصالح المتضاربة. فهل يُكتب له الوصول إلى وجهته، حيث دولة عادلة ومستقرة؟ أم أن قوى الداخل والخارج ستبقيه عالقاً في محطات الانتظار، خشية أن تفقد امتيازاتها كلما اقترب من نهايته؟

الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكنها بلا شك، ستكون حاسمة في رسم ملامح مستقبل سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…