في متاهات السياسة التركية: آمال تتبدد وسلام يتجدد

بوتان زيباري
في مسرح السياسة التركية، حيث تتقاطع المصالح وتتباين الرؤى، برزت مبادرة السلام كخيط أمل ينسج مستقبلًا مشرقًا للأمة. إلا أن هذا الخيط لم يكن لينسج دون تحديات ومعوقات، أبرزها موقف القيادة التركية المتشدد وتاريخها الحافل بنقض العهود مع القوى الكوردية.
منذ إطلاق مبادرة السلام عبر شريك الرئيس رجب طيب أردوغان، دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، شهدت الساحة التركية تصاعدًا في التوترات. ففي الوقت الذي كانت تُطرح فيه دعوات للسلام، نفذت فصائل متشددة عمليات انتحارية في العاصمة أنقرة، مما أثار تساؤلات حول جدية هذه المبادرات.
القيادة التركية، وعلى مدى قرن من الزمان، أظهرت ترددًا في الالتزام بوعودها تجاه القضية الكوردية. منذ ثورة الشيخ سعيد بيران في العشرينيات وحتى يومنا هذا، تكررت حالات نقض العهود، مما أضعف الثقة بين الأطراف المعنية.
في هذا السياق، برزت ثلاث معوقات رئيسية أمام تحقيق السلام:
عدم اقتناع القيادة التركية بعملية السلام: فهي ترى فيها خطوة مفروضة وليست نابعة من إرادة حقيقية.
غياب الضامن الدولي: مما يجعل الاتفاقات عرضة للتراجع والانهيار في أي لحظة.
الشكوك في قيادة قنديل: حيث توقع البعض أن تتخذ القيادة قرارات منفردة بعيدًا عن توجيهات زعيمهم المعتقل، عبد الله أوجلان.
إلا أن هذه الشكوك تبددت مع تصريحات جميل بايق، القيادي البارز في حزب العمال الكوردستاني، الذي أكد التزام القيادة بتوجيهات أوجلان ودعمهم لمبادرة السلام، مشددًا على ضرورة اتخاذ خطوات متبادلة من الجانب التركي لتحقيق تقدم ملموس.
في هذا السياق، أشار بايق إلى أهمية وحدة القوى الثورية والديمقراطية كركيزة أساسية لبناء تركيا ديمقراطية وحل القضية الكوردية. هذا الموقف يعكس التزام القيادة الكوردية بالسلام، بشرط أن تقابلها خطوات جدية من الجانب التركي.
على الجانب الآخر، كانت القيادة التركية تأمل في أن تتخذ قيادة قنديل خيار الحرب، مما يبرر تصعيد العمليات العسكرية ويعزز موقفها الداخلي. إلا أن التزام القيادة الكوردية بالسلام خيب هذه الآمال، مما يضع الكرة الآن في ملعب أنقرة لتحديد مسار العملية السلمية.
في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال: هل ستغتنم القيادة التركية هذه الفرصة التاريخية لتحقيق سلام دائم، أم ستستمر في سياساتها التقليدية التي أثبتت فشلها على مر العقود؟ الأيام القادمة ستكشف عن نوايا أنقرة الحقيقية ومدى استعدادها لتقديم التنازلات اللازمة لتحقيق السلام المنشود.
في الختام، يتطلع الشعبان التركي والكوردي إلى مستقبل يسوده السلام والازدهار، بعيدًا عن صراعات الماضي وآلامه. تحقيق هذا الحلم يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتعاونًا صادقًا بين جميع الأطراف المعنية.
السويد
15.02.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….