عن حلقة إبراهيم محمود، حوار مهم يستحق المتابعة

د. محمود عباس

 

في لقاءٍ هادئ تمازج فيه الأدب مع الفكر، قدّم برنامج وجوه على قناة الشمس، الذي يديره الأديب المعروف جان دوست حلقة مميزة استضاف فيها الكاتب والناقد الكوردي البارز إبراهيم محمود، في حوار لم يكن عاديًا من حيث الشكل والمضمون، بل كان أقرب إلى فسحة تأمل داخل طبقات الأسئلة التي تشغل الوجدان الكوردي، وتتقاطع مع مصائر شعوب الشرق.

الحوار كان ناجحاً في خطوطه العامة، لا فقط بفضل القضايا المطروحة، بل بأسلوب تقديمها، حيث بادر جان دوست إلى إدارة النقاش بأسئلة دقيقة، قدّم من خلالها الضيف رؤيته بأسلوب نقدي متماسك. إبراهيم محمود، رغم تقشفه اللفظي أحيانًا، ظهر كناقد وأديب، يملك حسًا تحليليًا ناضجًا، ينطلق من خلفية فلسفية وفكرية صقلتها عقود من التراكم المعرفي، لكن من دون أن يُغرق المستمع في نَفَس استعراضي أو نخبوي.

ومع ذلك، لم تخلُ الحلقة من ملاحظات تستحق الوقوف عندها. فقد طغى البعد السياسي على مساحة زمنية ليست قليلة، وكان بالإمكان تخصيص هذا الوقت لاستكشاف آفاق أرحب في الفكر والأدب والنقد الثقافي، وهي مجالات يمتلك فيها الضيف رصيدًا عميقًا. نعم، طرحه السياسي لم يكن شعاريًا، بل نُسج من خلال منظور ثقافي يعالج العلاقة بين السلطة والمجتمع، غير أن هذا الميل السياسي، مع تكرار خطاب المظلومية، قد حدّ من فرصة الانتقال إلى مستويات أعمق من الأسئلة الفكرية البحتة، خاصة في قضايا مثل اللغة، والهوية، وتحوّلات الذات الكوردية في راهنها.

ومن بين ما استرعى الانتباه أيضًا هو التركيز الزائد على مسألة الترجمة، إذ بدا أن الكاتب يعوّل عليها كثيرًا كأداة نهضوية، وهو أمر قابل للنقاش في ظل المشهد الرقمي الراهن، حيث باتت الترجمة في متناول أي قارئ متوسط من خلال أدوات وتقنيات متقدمة. هذا التوسع في الحديث عن الترجمة، دون التطرّق إلى إشكالياتها النوعية، أو الفروقات بين النقل والخلق، جعلها تبدو وكأنها مشروع مركزي في زمن فقدت فيه الترجمة كثيرًا من حصانتها التقليدية، وهو ما كان يستحق تفكيكًا أعمق.

كما أن دعوة البعض لتحويل كتابات إبراهيم محمود إلى محاور لحوارات مطوّلة، رغم وجاهتها في ظاهرها، تحتاج إلى مقاربة أكثر واقعية، فالرجل لا يقدّم مشروعًا فلسفيًا مكتمل البنية يمكن تفكيكه بمنهج صارم، بقدر ما يطرح رؤى نقدية حرة، تنتمي إلى الضدّ أكثر مما تنتمي إلى البناء. وهذا، رغم أهميته، لا يحتمل دومًا التعاطي معه كنسق فكري مؤسسي.

رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن ما قدّمه الضيف في هذه الحلقة كان غنيًا، ومحفزًا للتفكير، ويستحق أن يكون نواة لحوار متجدد، لا من باب التقديس، بل بهدف الاستمرار في كشف الأسئلة المؤجلة التي يُحسن إبراهيم محمود طرق أبوابها من زوايا غير تقليدية.

لا شك أن هذه الحلقة شكلت مساحة نادرة في المشهد الإعلامي الكوردي، جمعت بين أديب يملك قدرة الإصغاء والتوجيه، وأديب ناقد يمارس نقده التحليلي التفكيكي الجريء بنبرة هادئة لكنها نافذة.

كل التمنيات لهما بالتوفيق، على أمل أن يُفتح هذا النوع من الحوارات على تعدد الأصوات، لا لتقديس التجربة، بل لخلق تقليد ثقافي جديد، يتّسع فيه الفكر، لا للبلاغة، بل للأسئلة، فالفكر الحقيقي، كالنهر، لا يُختزل في نقطة، بل يُعرف بجريانه.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

9/4/2025م

 

رابط الحوار:

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…