سوريا على طريق التقسيم بين إرهاب الدولة واستبداد الإسلام السياسي

د. محمود عباس

 

أحمد الشرع، رئيس هيئة تحرير الشام، لا يستطيع إدانة أي ضابط أو مجموعة شاركت في المجازر التي ارتُكبت بحق المكون العلوي، لأنه هو المسؤول الأول، وهو من يجب أن يُدان قبل أي شخص آخر. بصفته رئيسًا للهيئة، والقائد الأعلى لجيشها، كان خطابه التحريضي بالأمس المحرك الأساسي لهذه الجرائم، مما يجعل أي محاولة منه للتبرؤ أو تحميل المسؤولية لآخرين مجرد تلاعب رخيص بالحقائق.

وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن المجازر لن يكون سوى إعادة إخراج للمسرحية ذاتها التي شهدها العالم حين استخدم بشار الأسد الأسلحة الكيميائية ضد الأطفال والنساء، ثم ألقت حكومته باللوم على قوى المعارضة، واليوم، يتكرر السيناريو ذاته، لكن بوجوه مختلفة، ستُبرَّأ قوات هيئة تحرير الشام من المجازر، بينما يُحمَّل ضباط النظام المجرم البائد المسؤولية، رغم أن الجميع يعلم أن هذه اللعبة ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج ذات السردية، لكن هذه المرة باسم “الثورة الإسلامية” بدلًا من السلطة البعثية.

لا شك أن اجتثاث رموز النظام البائد مسؤولية لا يمكن التغاضي عنها، لكن ذلك لا يعني السماح بارتكاب المجازر بحق المدنيين الأبرياء، ما حدث، بتلك الطريقة الإجرامية، ليس سوى استمرارٍ لنهج السلطة المركزية الاستبدادية، التي وإن تبدلت الوجوه والأشكال، وتغيرت شعاراتها، بقي جوهرها قائمًا على القمع والإقصاء.

لم تعد سوريا تتجه نحو نهاية الحرب الأهلية، بل نحو ترسيخها كحالة دائمة، حيث تحوّل الصراع من كونه بين “السلطة الانتقالية” و”فلول النظام البائد”، إلى بروز بدايات حرب داخلية بين الفصائل التكفيرية نفسها، بالتوازي مع صراع آخر، أصبح يتوضح، بين المكونات السورية، العلويين، الدروز، الكورد، والجماعات الإرهابية المتطرفة المدعومة من تركيا.

نحن أمام تفتيت مستمر للنسيج السوري، حيث لم يعد هناك مشروع وطني، بل مجرد مشاريع هيمنة تقودها قوى إقليمية، وتديرها أذرع عروبية إسلامية سنية متطرفة، لا تختلف كثيرًا عن حزب البعث والنظام المجرم الذي سبقها.

فالمعادلة لم تتغير؛ القمع واحد، الاستبداد واحد، والضحية دائمًا هي سوريا، التي تتآكل يومًا بعد يوم، بين نار التطرف الديني والتوظيف السياسي الفاسد.

ما يجري اليوم تمهيد واضح لتقسيم سوريا، ينفخ في نارها المنافقون السياسيون والإعلاميون العروبيون بينهم أيتام البعث، الذين يخرجون إلى الساحات، ومن على مواقع التواصل الاجتماعي، بألبسة مختلفة، يرفعون شعارات الثورة نهارًا، بينما يبثّون سموم الطائفية والعنصرية ليلًا، وجلهم شخصيات مريضة نفسيا غارقة في وباء الحقد، أعمتهم كراهيتهم حتى باتوا شركاء في تدمير سوريا أكثر من أي قوة خارجية، فهم لا يرون في الوطن إلا ساحة لتفريغ ما في داخلهم من السموم، ولا في الشعب إلا وقودًا لنزاعاتهم المريضة.

لا حل أمام هذا النظام الإسلامي المتطرف سوى النظام الفيدرالي اللامركزي، والبديل الحقيقي ليس انتقال السلطة من استبداد بعثي إلى استبداد ديني، بل في بناء دولة تعددية تحترم مكوناتها، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال نظام يعيد التوازن إلى سوريا، وينهي هيمنة أي قوة واحدة على مصير البلاد.

لكن ما يجري هو بداية ترسيخ لنظام مركزي إسلامي سياسي متطرف، والنظام السياسي الإسلامي، بل أي نظام ديني على الإطلاق، هو أحد أخطر أشكال الحكم وأكثرها رعبًا، لأنه لا يقوم على عقد اجتماعي قابل للنقاش، بل على سلطة مطلقة تُقدَّس باسم الإله، وتُستخدم لإلغاء أي صوت معارض، وإبادة أي اختلاف فكري أو ديني أو عرقي.

ما يتم إقامته في سوريا اليوم ليس مجرد نظام حكم جديد، بل هو تأسيس لكارثة قادمة، وما جرى في حي جرمانا والساحل السوري بحق المدنيين ليس إلا البداية. دستور يُكتب على أسس دينية متطرفة، وقوانين تُفرض باسم الشريعة لا باسم العدالة، تكفر كل من يعارضها، وتخون كل من لا يرضخ لإملاءاتها، وإذا استمر هذا النهج، فإن سوريا ستنزلق نحو مستقبل أسوأ من ماضيها، حيث قد يصبح القمع البعثي مجرد ذكرى مقارنة بالاستبداد الديني القادم.

والنتيجة؟ تقسيم سوريا إلى أربع أو خمس مناطق، كل منها تحكمها قوة مختلفة، وكل منها تدور في فلك قوة إقليمية أو دولية، ولن يكون أمام السوريين سوى الاختيار بين أنظمة طائفية متناحرة أو سلطات عسكرية دينية تحكم بالنار والحديد.

الحقيقة التي لا تريد القوة الحاكمة الاعتراف بها هي أن النظام المركزي قد انتهى إلى الأبد، وما صرح به أحمد الشرع البارحة، ويحدث الآن ليس سوى محاولة يائسة لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء، في وقتٍ لم يعد الماضي خيارًا متاحًا، ولم يعد المستقبل يحتمل مزيدًا من الأنظمة الفاشلة، سواء كانت بلباسٍ قومي، أو ديني، أو عسكري.

 

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

9/3/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…