سوريا بين الفيدرالية والسلفية ج9

زاكروس عثمان

 

جمهوريات ابو عمشة

قبيل انتكاسة الربيع العربي وتحوله إلى خريف ماحق، توقعت ربيعا ينهي الشكل القديم لدول المنطقة، ليؤسس دولة تصلح للبقاء في القرن الجديد، ولم يخطر في ذهني قيام سلطة عشوائيات إلى هذه الدرجة من السوء، أشبه ما تكون بسلطة رجال الجريمة المنظمة في ضواحي المدن، توقعتُ نهاية وشيكة لنظام دولة العائلة، التي كنت اظنها أصل البلاء، و بدأت بالتفكك فعلا، لكن ليس بالشكل البديع الذي تمنيته، بل بصورة مرعبة كنت أتخوف من حدوثها، وهي أن يكون البديل كيانات هلامية، تضم قطعان منفلتة.

نحن نشهد الآن بداية النهاية لعصر دولة العائلة في بلدان عربية، وبداية عصر دويلات الصفيح، وإعادة توزيع السلطة، بين مستبد قديم وطواغيت  جدد من سادة دويلات الصفيح التي بدأت تنمو بكثافة غير متوقعة حول عاصمة العائلة، التي ما برحت أملاكها تتقلص, دويلات تفتقر إلى ابسط أشكال التنظيم والتخطيط، حيث تنعدم المسؤولية، وينتهي القانون والانضباط، وتسود الانتهاكات، فيما الأمور في دولة دكتاتورية العائلة رغم عيوبها الكثيرة، كانت اقل سوءا، حيث توفرت مرجعية رسمية تحفظ حياة الناس وحقوقهم إلى حد ما، وتردع الناس بعضهم عن بعض، وتمنح المواطن هامشا من الحرية الفردية إن لم يكن في الجانب السياسي، فعلى الأقل في الجانب الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والديني، إذ لم يحدث لدكتاتور انه تدخل بشكل سافر في خصوصيات الأفراد (الملبس، العبادات، السفر) كذلك فأن دولة العائلة وفرت للمواطن الحد الأدنى من الخدمات حتى لو كانت خدمات رديئة من خبز، تعليم، صحة، كهرباء، مواصلات، محروقات، مياه و امان، فيما اليوم عقب استحداث دويلات الصفيح، بتنا نفقد ذاك القليل الذي توفر لنا في دولة العائلة، دويلات لا تحتوي على أية مرجعية، سوى سلطة أمراء الحرب، وبندقية غير منضبطة، لا تخضع لرادع قانوني أو قيمي، المسئولية معدمة لدى سلطة العشوائيات، كونها تدير المناطق التي تستولي عليها على أنها غنيمة حرب، وتعامل الأهالي على أنهم غنائم حرب سبايا وعبيد، يحق لأمير الجهاد التصرف بها كما يشاء، فالإنسان في دويلات الصفيح محروما كليا من حقوقه الأساسية، فقد الحريات الفردية ملغاة، خاصة حرية المرأة وحقوقها، والحريات الدينية، الحق الوحيد للإنسان هو اختيار الموت او القبول بأن يكون حمال واجبات أوامر ونواهي.

بلاد الطواغيت 

لا اقصد من هذه المقارنة الإيحاء بأن دولة دكتاتورية العائلة هي النموذج المفضل، حيث الأحوال العامة فيها قبل ربيع الأزمات، مقارنة بما هي عليه الآن كانت أفضل، ولكن أحببت القول: بان الصراع في المنطقة بلغ نقطة اللاعودة، وقد حـُجزَ مصيرنا بين شرين، بين السيئ والأسوأ، مستبد تقليدي أتاح لك حق التنفس، و جهاديون جدد، يفرضون عليك واجب الاختناق، فهل الرغبة بزوال الدكتاتورية المركزية القديمة، تعني القبول بنموذج دكتاتوري جديد، أكثر وحشية وتخلفا.

هل انفجرت ثورات الربيع من اجل الانتقال من استبداد سياسي إلى استبداد إيديولوجي شمولي، يلغي التنوع الاجتماعي والثقافي والديني والقومي، ولن نقول يلغي التعددية السياسية، هل كانت مطالب الحراك الثوري هي إلغاء دستور ظالم وضعته دولة العائلة لحماية امتيازاتها، ليكون البديل تشريع وضعه فقهاء الظلام، هل التضحيات الباهظة في الأرواح والممتلكات كانت من اجل الخروج من قبضة دكتاتور واحد يمارس العنف لحماية سلطته، للوقوع بين براثن مستبدين كثر، حرفتهم قطع الرؤوس لدوافع إيديولوجية، هل كان البديل سلطة عشوائيات سلفية دينية، عصبيات مذهبية، قواقع عرقية، تجر بلداننا إلى فوضى عارمة، وتدخل مجتمعاتنا إلى عصر الرعب.

هل البديل دويلة سنية يحكمها سلفيون غوغاء، ودويلة شيعية يحكمها أئمة منافقون، ودويلة عرقية يتزعمها شوفينيون رعاع، كيانات ألوانها مختلفة، مصالحها متضاربة، سياساتها متنافرة، تتذابح فيما بينها، للاستحواذ على الأراضي والثروات، ولكنها تتبع إلايديولوجيا ذاتها، إيديولوجيا الشر المطلق، التي لا غاية لها سوى تدمير كينونة الإنسان، غوغاء يريدون دول تقهر الشعوب وتستعبد البشر، والنماذج تتحدث عن نفسها في سوريا والعراق، فالسائد هو شريعة الإلغاء والإلغاء المضاد، والضحية هوية فطرية، كردي محكوم بالفناء، مسيحي محكوم بالزوال، أمرآه تنتظر الوأد، وصاحب رأي يقام عليه الحد، حر ينتظر الجلد، فأية حرب عبثية نعيش، وأي مصير ننتظر، ونحن لا نملك خيارات، والطريق الثالث عدم، ربما المخرج الوحيد كان إيقاف القتال ولكن كما قلنا بلغت الأمور نقطة اللاعودة، وليس لنا سوى الندم نعم الندم.

لم تكن ثورة حرية كرامة و ديمقراطية ولا حتى ثورة جياع، بل صراع سياسي ـ مسلح على السلطة بين جناحي المكون العربي العلوي و السني، اللذان يحملان نفس الفكر والثقافة والنزعة يختلفان في المذهب الديني.

ملاحظة كتبت هذه الحلقة في شكل مقال نشرته في موقع الاوان منذ 11 عام، وقد رأيت إعادة نشره مع تعديل بسيط ضمن سلسلة مقالي بعنوان سوريا بين الفيدرالية والسلفية، لارتباط مضمونه بمستجدات متلاحقة ومستمرة تشهدها الازمة السورية حاليا، والتي انعكست مباشرة على  الساحة الكوردستانية/ الكوردية لتشهد بدورها تبدلات خطيرة تبدو انها سلبية اكثر مما هي ايجابية.

يتبع الحلقة 10 والاخيرة    

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…