سحر أنقرة ينقلب على رؤوس طباخيها.

إبراهيم اليوسف

 

ما حدث اليوم في البرلمان التركي فضيحة مدوية، تمت أمام أنظار العالم الحر، وشحذٌ لإرادة وهمم الكردستانيين، في أجزاء كردستان، ليقال لهم:

ليس لكم إلا كم وأحرار العالم

ماجرى من مسرحية بإخراج فاشل كان صفعة جديدة بل ركلة جديدة لمزاعم دكتاتوريي تركيا بكل تصنيفاتهم. لقد انقلب سحر سحرتهم على رؤوسهم، وكشف المشهد حقيقتهم أمام العالم. لم يكن ذلك إلا امتحاناً جديداً لإرادة الكردي ونقاء روحه وسمو خلقه وحبه للسلام الحقيقي، فخرج منه أشد صلابة، وأعمق وعياً، وأكثر إيماناً بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.

لم يُسمح لعبدالله أوجلان بإلقاء كلمته حراً، بلا يدين مكبلتين وبلسان حر الحركة يستمد قوته من عيون وملامح كرده. كان المشهد بأكمله محاولة يائسة لمواصلة مشروع الإبادة بحق الكرد لمئة سنة أخرى، لكن الرسالة التي أراد المحتل إيصالها جاءت بنتيجة معاكسة: لقد أشعلوا الروح الكردية بدلاً من إخمادها، وجعلوا الحقيقة أكثر وضوحاً.

إلقاء السلاح من جهة واحدة استسلام، وحل الحزب دون تحقيق السلام خديعة، لطالما استُجرّ إليها بعض الكرد فكانت فخاً قاتلاً. سبق أن شهدنا ذلك في تاريخنا، ولن يُعاد المشهد نفسه اليوم.

لقد وقّعتُ شخصياً على بيان إدانة خطف عبدالله أوجلان- فك الله أسره وشعبنا- بعد ساعات من خطفه، رغم خلافي الكبير الذي كان ولايزال مع فكره وحزبه، لأن المسألة ليست حرية فرد نال العقاب في أقصى حدود الظلم، بل المسألة حرية شعب بأكمله. أمة بأكملها.

اليوم، أيضاً، أطالب بإطلاق سراحه، و أنا مع أي سلام حقيقي في تركيا، في أجزاء كردستان كلها، لأن الحرية لا تُصنع في أقبية القمع، ولا يهبها الطغاة، طواعية.

القاتل والمستبد لا يصنعان حرية، ولا يحكمان إلا باستعباد الشعوب وسفك دمائها. إنهم أصحاب الأيدي الملطخة بالدم، ورثة الجلادين، لكن الشعوب التي خبرت الظلم قرناً بعد قرن، لا تستسلم، ولا تسقط في فخ الخديعة نفسها مرتين…مرات…!

ما أشبه ماتم في برلمان أنقرة اليوم بما تم في قصر الشعب الدمشقي في الأمس!

من هنا فإن على ب ك ك و ب ي د تبييض سجونهما، حالاً، وإطلاق سراح كل أصحاب الرأي والموقف السلميين، أية كانت رؤاهم ومكوناتهم. ولقد كان لنا شرف رصد كل الانتهاكات على الأرض”السورية”، منذ أول الحرب، وقبلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…