د. محمود عباس: أنا الكوردي وهذا وسامي

أنا، د. محمود عباس، ابن كوردستان العزيزة، الناطق باسم وجعها وأملها، وحامل راية قضيتها العادلة التي لن تُطوى، والمجسِّد لنبضها في كل شبر من ترابها الحر والمغتصب.

أنتمي بقلبي وروحي وعقلي إلى كل تيار وفصيل ينبض بحب الوطن ويفوح من روحه عبق الحرية والكرامة: من برزاني الثورة الذي أبى الانحناء، إلى أوجلاني قنديل، مشعل الفكر ومفجِّر التمرد على الاستعباد، ومن طالباني الإرادة والعقل السياسي، إلى كل أولئك الذين حملوا الحلم الكوردي على أكتافهم، وساروا رغم الخذلان والجراح.

أنا من حزب الشعوب الديمقراطي حين ينادي بالعدالة، ومن البارتي الديمقراطي الكوردستاني حين يحمي الجغرافيا، ومن الاتحاد الديمقراطي حين يصون الكرامة، ومن العمال الكوردستاني حين يقاتل دفاعًا عن الوجود، ومن الوطني الكوردستاني حين يجسد التعدد، ومن كومله وبيجاك وسائر الأحزاب والحركات، حين تلتقي على درب الحرية لا الزعامات، وعلى وحدة كوردستان لا فتاتها.

أنا ولادة وصوت مدن كوردستان وقراها، صوت التاريخ والجغرافيا والشهداء الذين ما خانوا العهد ولا باعوا القضية.

من نصران إلى نصيبين، من آمد وبدليس ووان، إلى مهاباد وسقز وكرمنشاه، من السليمانية وحلبجة وشنكال، إلى هولير وكركوك ودهوك، من تل كوجر وديركا حمكو إلى تربه سبي وقامشلو والحسكة وكوباني، من الرقة وكري سبي إلى عفرين وجبل الأكراد، أنا ابن هذه الأرض، لا أحمل جنسيتها فقط، بل أحمل ذاكرتها، ودموعها، وحرقتها، وأحلامها.

فليعلم أولئك الذين سكروا من كأس أردوغان الفاسد، وغاصوا في وحل أنظمة الاحتلال العنصرية، حتى ذابت عقولهم في مستنقع الخنوع، أن الكوردي ابن كوردستان، لا يُعرّف من خلال المرايا المشروخة التي تصنعها سلطات الغزو، بل من خلال جباله الشامخة، وتاريخه الممتد كعرق في جذور الشرق.

ما تسمّونه أنتم “شتائم” و”ألقابًا” نحملها نحن وسامًا على جباهنا، نفخر بأننا (بيشمركة وقسد) أننا (قنديل وبرزاني، أوجلاني، وطالباني) مهاباد وأربيل، حفدة الشيخ سعيد وسيدة شنكال. أنتم ترون في هذه التسميات “عيبًا”، ونحن نراها ألقابًا تصنعها التضحيات، لا الحظوة ولا الخضوع.

فكل حزب كوردي هو حجر في جدار كوردستان، وكل فصيل مقاوم هو شعلة في نفق النسيان، وكل شهيد كوردي هو نَفَس في صدر الحرية، فلا تصغِّروا القضية بسجالاتكم، ولا تدفنوا الحلم تحت خلافاتكم.

لتعلموا أن كوردستان، وإن تقاسمتها الخرائط، لن تقسمها الإرادة، وأن الشعب الذي خرج من بين أنياب الإبادة والخذلان لا يمكن كسره بشائعة أو خطاب تخوين.

نعم، لن ننحني، ولن تُطأ كرامتنا، فإرادتنا صلبة كجبال زاغروس، وأحلامنا لا تقلّ ارتفاعًا عن قمم سفين وقنديل، ولا تسكن إلا في سماء آمد وهولير.

أتوني بنقد واعٍ، حرّ، شريف، لا يخشى الحقيقة ولا يختبئ خلف الشعارات الباهتة، لا نطلب الإجماع، بل نطلب شرف الاختلاف بشرف، بعيدًا عن شتائم الجهلة وعنصرية الطغاة.

دعونا نفتح باب الحوار لا بوصفنا أعداء، بل أبناء وطن منهك، نبحث فيه عن أفق يتّسع للجميع، لا عن قفص جديد باسم الوطن. دعونا نحلم بسوريا وكوردستان يكون فيها التنوع مصدر قوة لا سبب إقصاء، حيث لا تُمحى هوية، ولا تُخون طائفة، ولا تُخنق لغة، بل تتناغم أصواتنا كجوقة تبحث عن لحن العدالة.

نقولها بوضوح: إنَّ الشعب الكوردي، الذي لم يطلب يومًا سوى الحرية، لا يمكن أن يُكسر بصراخ الديكتاتوريات ولا بفتاوى المتطرفين. هذا الشعب أكبر من أن يُرهب، وأعمق من أن يُختصر بشخص أو حزب.

فلنعِ أن الحرية لا تعني الانفصال، بل تعني الانعتاق من الذل. وأن الهوية ليست نقيضًا للوطن، بل ركيزة له. وإن كان لا بد من وطنٍ لنا جميعًا، فلن يكون إلا ذاك الذي يحفظ كرامتنا، ويصون دماءنا، ويكتب على بابه: هنا يولد الإنسان حرًّا، مهما تكن لغته، أو قوميته، أو حزبه.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmai.com

29/4/2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…