دولة المماطلة: بين الحلم بالمواطنة وواقع الإقصاء

إبراهيم اليوسف

 

 

لطالما كان حلمنا  جميعاً في سوريا،  بناء دولةً يتمتع فيها المواطنون بالمساواة الحقيقية، حيث يعترف بكل الهويات الثقافية والعرقية ولا يتم التفريق بين أبناء الوطن الواحد. كانت ولا تزال فكرة الدولة التي تضم جميع المكونات تحت سقف واحد، دون أي تمييز على أساس الدين أو العرق، حلمًا للعديد من السوريين، وخاصة الكرد الذين عانوا لعقود من التهميش والإقصاء. ولكن، عندما يُطرح ما يُسمى “دولة المواطنة” في الوقت الراهن، ويستمر فيها إغفال حقوق الكرد الثقافية واللغوية، يتبين لنا بوضوح أن هذا المشروع، رغم نواياه المبدئية، لا يعدو كونه محاولة جديدة للمماطلة واحتواء الفئات التي تسعى للعدالة والمساواة.

إن المماطلة هنا لا تعني فقط التأجيل أو التأخير، بل تعني أن هذا النظام لا يزال يواصل تجاهل حقوق الكرد كجزء من سياسة قديمة جديدة تهدف إلى القضاء على الخصوصية الثقافية للشعب الكردي ودمجه ضمن هوية واحدة تُفرض عليه. هذه المماطلة المستمرة تشكل حلقة مفرغة تُعيد إنتاج نفسه في كل مرة، مما يبدد أي أمل حقيقي بمستقبل يحترم التنوع الثقافي في سوريا.

لا شك أن “دولة المواطنة” هي فكرة نُوقشت منذ عقود، وأيدها الكثيرون من السوريين الذين يطمحون إلى بناء وطن يسوده العدل والمساواة. ولكن، كما نرى اليوم، فإن هذه الفكرة أصبحت تُستخدم في العديد من الأحيان كوسيلة لتأجيل القضايا الكبرى التي تمس حقوق الكرد والمكونات الأخرى. فالدعوات لقيام دولة المواطنة هي في جوهرها دعوات لنزع هوية الكرد الثقافية والسياسية، وفرض لغة واحدة وثقافة واحدة على الجميع.

ردًا على هذا، كتبت مقالًا قبل سنوات بعنوان “لا لدولة المواطنة، وكان بمثابة تحذير من أن دولة المواطنة التي لا تعترف بحقوق الكرد القومية و اللغوية و الثقافية هي مجرد استمرارية لسياسات الإقصاء التي عانى منها الشعب الكردي لعقود طويلة. في ذلك المقال، أوضحت أن أية فكرة للمواطنة يجب أن تتضمن احترام التنوع الثقافي في البلاد، ويجب أن يُحترم حق كل مكون في التعبير عن نفسه، لغويًا وثقافيًا. وجاء رد بعضهم على هذا المقال قاسيًا، خاصة من ناشطين في فصائل راديكالية- ومن بينهم قاض في إحداها كما قيل لي- حاولوا تحميل المقال مسؤولية  الدعوة إلى تقويض “الوحدة الوطنية”، في حين أنهم كانوا يجهلون أو يتجاهلون تمامًا معاناة الكرد المستمرة في وطنهم.، رغم أن أكثر هؤلاء كانوا شهوداً على المعاناة، ومنهم من كان سبباً في ديمومتها، حامياً لها، أو ساكتاً على ديمومتها، وفق قناعة راسخة!

هذا النقاش حول “دولة المواطنة” ليس جديدًا. فالكرد في سوريا لطالما طالبوا بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات ضمن وطن واحد، بعيدًا عن المشاريع الانفصالية أو الهيمنة العرقية. ولكن الواقع كان مريرًا، حيث تعامل النظام السوري مع مئات الآلاف من الكرد كمواطنين من الدرجة الثانية، إذ جردهم من جنسيتهم، واتهمهم بالخيانة وفرض عليهم السياسات القمعية التي كانت تهدف إلى إذلالهم وإلغاء هويتهم. وبالرغم من كل ذلك، ظل الكرد متمسكين بحقهم في أن يكونوا جزءًا أساسيًا من سوريا، لا منخرطين في محاولات فصل، بل ساعين للعدالة ضمن هذا الوطن.

الآن، بعض الناشطين الحقوقيين، الذين ينحدرون من خلفيات قومية عربية أو يسارية، يقدمون مشاريع تُسمى “دولة المواطنة” ويغفلون عمدا أو يجهلون التاريخ الطويل من معاناة الكرد في هذا السياق. هؤلاء الناشطون يريدون من الكرد أن يقبلوا بمواطنة منقوصة، في وطن يفرض عليهم لغة واحدة ويعزلهم عن حقهم في التعبير عن ثقافتهم وحضارتهم.

إن ما يُسمى “دولة المواطنة” لا يمكن أن يكون مشروعًا حقيقيًا للمساواة إذا لم يعترف بحقوق الكرد. فالقضية ليست مجرد حقوق سياسية بل ثقافية، تتمثل في اللغة والتعليم والإعلام. الشعب الكردي في سوريا ليس أقل وطنية من أي مكون آخر، لكنه لن يقبل أن يُجرد من هويته وثقافته في سبيل تحقيق مشروع سياسي يخدم فئات معينة دون الآخر.

وفي هذا السياق، يجب أن نتذكر أن الحلم بمواطنة حقيقية لا يكون من خلال التقليل من شأن الحقوق الثقافية لأي مكون من مكونات الشعب السوري. بل ينبغي أن نؤسس لدولة تحترم جميع السوريين، عبر الإقرار بخصوصياتهم، وأن نضمن أن حقوق كل مكون قومي  وديني محفوظة. فالكرد في سوريا لا يطلبون سوى العدالة والمساواة، ولا يريدون فرض ثقافتهم أو لغتهم على الآخرين، بل يريدون فقط أن يكون لهم حق الحفاظ على وجودهم في مفاصل الدولة، كثاني قومية في سوريا، و التعبير عن أنفسهم وتعلم لغتهم والاحتفاظ بهويتهم.

من خلال ذلك، ستكون دولة المواطنة الحقيقية ممكنة في سوريا، ولكن فقط عندما نؤمن جميعًا بالتعددية القومية والدينية و الثقافية والاحترام المتبادل بين جميع مكونات الشعب السوري.

 

*كتب المقال قبل أسابيع ولم أنشره إلا الآن….

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…