ثقافة الثأر في سوريا: تهديد للسلام والمستقبل وضرورة محاكمة الجناة.. رسالة مفتوحة إلى أولي العهد الجديد

إبراهيم اليوسف

إن ثقافة الثأر التي تسود بعض المجتمعات، خاصة في مناطق الصراع، تُعدّ من أخطر التحديات التي تقف أمام بناء السلام واستقرار هذه المجتمعات. هذه الثقافة، التي تتغذى على الحقد والانتقام، تعزّز دوامة العنف وتعيد إنتاجه بشكل مستمر، ما يجعلها بمثابة لعنة تحرم هذه المجتمعات من فرصة إعادة بناء نفسها. في سوريا، وتحديدًا في المناطق الساحلية، تبرز انعكاسات هذه الثقافة-  تشبيحًا وتشبيحًا مضادًا- بشكل واضح، في ظل تصاعد العنف الطائفي والمجتمعي الذي يهدد بإشعال فتيل حرب لا نهاية لها.

من المفجع حقًا أن نرى أن بعض أطراف النزاع في سوريا، وفي ظل حالة الفوضى والتشتت التي تعيشها البلاد، لا يزالون يلوحون بأسلحة الثأر في وجه المدنيين الأبرياء، لأسباب طائفية أو عرقية. ففي اللحظات التي يُقتل فيها مدني أعزل، أو طفل، أو طفلة، أو تُباد عائلة بكاملها، يظهر بعض الجناة في فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي، متباهين بجرائمهم، ومهددين بـ”ضرورة الإجهاز على العلويين”، أو بتحويل مدنهم إلى صحراء!

مثل هذا الخطاب ليس مجرد تشويه للواقع، بل هو دعوة صريحة لإعادة نشر العنف وديمومته، وتعزيز الفرقة بين أبناء الشعب الواحد. والأسوأ من ذلك كله، أن هؤلاء يتحججون بالثأر والانتقام كوسيلة لاستعادة “الكرامة”، بينما هم في الواقع يساهمون في قتل الروح الوطنية والإنسانية.

لست محققًا في معرفة كيف بدأت الأحداث الأخيرة، لكن يمكنني مقاربة ذلك من خلال ما يُنشر من فيديوهات، واعترافات الجناة أنفسهم، إضافة إلى العودة إلى تهديدات بعضهم قبل وقوع أي مشاكل حقيقية. لا سيما أن الآلاف من أبناء الساحل أقدموا على مراكز التسوية، وسلّموا أسلحتهم العسكرية أو الشخصية.

إن التصريحات الطائفية والتهديدات المتداولة عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تهدف إلى تفتيت المجتمع السوري وزيادة انقسامه. لكن الحقيقة المؤلمة أن النظام السوري البائد، الذي مارس سياسات التفرقة والإقصاء لعقود، هو من أسهم بشكل رئيسي في تعزيز هذه الثقافة المدمرة. فمن خلال سياساته القمعية والممارسات غير الإنسانية، حوّل بعض أبناء الساحل السوري، وخاصة العلويين، إلى أدوات في خدمة بقائه في السلطة، بل جعلهم وقودًا لدكتاتوريته. إلا أن الساحل، كما عرفناه، كان قلعة في مواجهة آل الأسد، وكان مناضلوه في سجون النظام، ومنهم بعض الرموز الذين لا تزال مصائرهم مجهولة، كعبد العزيز الخير ومن معه، كمثال على ذلك.

لقد دفع الفقر المدقع العديد من الشباب العلويين إلى الانضمام إلى ميليشيات النظام، حيث لم يكن أمامهم خيار آخر سوى التشبيح والقتل لتأمين لقمة العيش، تمامًا كما حصل مع آخرين من السنة وغير السنة الذين حموا النظام وكانوا عيونه ويده الضاربة، في ظل العوز والظروف الاقتصادية الصعبة. أجل، دون أن ننسى أن بطانة النظام لم تقتصر على العلويين، بل ضمت سنةً ومكونات أخرى، حيث تورط مئات الآلاف في التشبيح على مدار أربعة وخمسين عامًا من الدكتاتورية. وإن كان النظام قد أسند إليهم مناصب عليا في الجيش والأمن، فلم يكن ذلك سوى لضمان ولائهم له، مقابل فتات من الامتيازات.

إن الفقر في الساحل السوري لا يختلف عن فقر ريف تل حميس، أو العديد من المناطق الكردية والسورية الأخرى التي كانت منبع خيرات البلاد، حيث يجد المواطن نفسه عالقًا في حلقة مفرغة من الفقر والتهميش. هذا الوضع دفع العديد من الشبان العلويين إلى الانخراط في عمليات القتل باسم النظام، وهو ما يعد جريمة بحق الإنسانية. هؤلاء الشباب، الذين وُضعوا في هذا الموقف القاسي، يجب أن يُقدّموا للمحاكمة، لكن لا ينبغي أن ننسى أيضًا أن هناك طرفًا آخر ارتكب جرائم مماثلة، باسم “الجيش الحر” أو فصائل أخرى مدعومة من تركيا وإيران وقطر. هؤلاء أيضًا يجب أن يتحملوا مسؤولياتهم ويواجهوا العدالة عن الجرائم التي ارتكبوها.

من جهة أخرى، هناك بعض النماذج المشرقة التي تبعث الأمل، مثل قرار مقاتلي العهد الجديد في بعض المناطق – كما قيل – بمنع الثأر من أهالي القرى العلوية، ورفض الانتقام من المدنيين. هذا الموقف، الذي يعد خطوة مهمة نحو إعادة بناء الثقة بين أبناء الشعب السوري، يجب أن يُحتفى به وأن يُعمم. لكن للأسف، تبقى هذه المواقف استثنائية في ظل استمرار ثقافة الثأر في مناطق أخرى، حيث تنتشر في أحياء وقرى العلويين في الساحل وحمص وحماة.

إن قتل المدنيين الأبرياء، سواء كانوا علويين أو من أي طائفة أو قومية أخرى، هو جريمة يجب أن تُعاقب عليها العدالة. ومهما كانت الدوافع التي يسوقها المتطرفون من مختلف الأطراف، فإن قتل الأبرياء لا يمكن تسويغه بأي حال من الأحوال. إن المجازر التي تُرتكب بحق العلويين في بعض المناطق الساحلية، لا يمكن التعتيم عليها أو تبريرها بحجج واهية. فكل عمل إجرامي مدان، بغض النظر عن هوية المجرم، سواء كان عربيًا أو كرديًا، سنيًا أو علويًا، مسلمًا أم مسيحيًا. لذا، فإن ما يحدث في بعض أحياء ومناطق حمص والغاب وحماة، يجب أن يتوقف فورًا، ويجب تقديم الجناة – مهما كانت انتماءاتهم – إلى محاكمات عادلة.

إن السكوت عن هذه الجرائم يعني العودة إلى دوامة الدم والعنف، التي كنا نأمل أن تنتهي بسقوط النظام. ومن المؤسف أن نجد أن بعض الفصائل المسلحة، المدفوعة من أطراف خارجية، تواصل ارتكاب الجرائم بحق السوريين دون أي رادع، سواء كان ذلك ضد العلويين، أو بتهديد الكرد والدروز وغيرهم.

لا شك أن أحد أبرز عوامل تفشي ثقافة الثأر هو غياب العدالة والقصاص. فالمجتمعات التي لا تعرف العدالة، لا يمكن أن تنعم بالسلام الاجتماعي. لذا، فإن من واجب السلطات، سواء في مناطق النظام أو في المناطق الخاضعة للمعارضة، أن تعمل على وقف هذه الدوامة من العنف، وأن تتبنى سياسة واضحة تهدف إلى تحقيق العدالة الانتقالية. يجب تقديم جميع المجرمين إلى المحاكم، بغض النظر عن انتماءاتهم. فالعنف لا يولّد إلا العنف، ولا يمكن بناء دولة ديمقراطية عادلة عبر ثقافة الثأر.

إن السلطة الجديدة، التي استقطبت مهرولين ينفخون في النار ويدفعون سوريا إلى محرقة جديدة، يجب أن تضع لهم حدًا، وأن تعتمد على خطاب الوئام بين مكونات سوريا. وفي اعتقادي- حتى الآن-  أن نواة قيادة العهد الجديد قادرة على فهم ذلك، إن كان هدفها قيادة البلاد إلى بر الأمان بعد عقد ونصف من الدم والدمار والتهجير. وإلا، فإن الألقاب التي منحها بعضهم لأنفسهم، لن تكون سوى مادة للسخرية، في وقت نريد فيه- وأنا واحد منهم-  أن يكونوا عماد إنقاذ سوريا.

إن الموقف مما يجري اليوم يضع مصداقيتهم على المحك التاريخي، وأرجو أن تكون المعالجة واقعية، في وسط التعتيم الرسمي على مايدور في المناطق المنكوبة، لا أن يتم التلاعب بالحقائق عبر التزوير والتضليل.

ديواني- ساعة دمشق-2016 والذي كتبت نصوصه منذ أول الثورة- المجهضة-

يبين ما رؤيتي ضد كل مجرم ولغ في الدم السوري

إليكم  رابط جزءمن مدونتي:

https://m.ahewar.org/index.asp?i=343

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…