تقسيم إيران أم ترويضها

خوشناف سليمان

يقول هيغل: فلسفة التاريخ تعني التأمل العميق فيه، فالنتأمل سوية في تاريخ العالم المعاصر، علّنا ندرك ونعي بعض أسرارها.

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية وبسبب سياساتها التوسعية قُسمت ألمانيا إلى دولتين؛ وهُزمت اليابان حينما حاولت توسيع إمبراطوريتها عبر شن حروب عدوانية على جاراتها؛ وتفككت يوغسلافيا في بداية التسعينيات بسبب رعونة قادتها الصرب. وفي نفس المنحى، تجري منذ عقود أحداث مماثلة في كل من العراق وسوريا وإيران والسودان واليمن ولبنان وليبيا، حيث تتعرض شعوبها للقمع والبطش من جانب حُكامها الطغاة.

وكما حدث في يوغسلافيا السابقة، يمكن التكهن بأن ثمة “طبخة” سياسية طازجة يتم تحضيرها في أروقة ومراكز صنع القرار الغربية قد تؤدي إلى تفكيك إيران، فهي مثلها مثل يوغسلافيا بلد متعدد الأثنيات والأعراق ذات مذاهب وطوائف متنوعة، وتشمل القوميات الفارسية والأذرية والكردية والبلوشية والعربية. ولقد شاركت هذه المجموعات وساهمت بشكل فعال في إنجاح الثورة الإسلامية التي شهدتها البلاد عام 1979، لكن القومية الفارسية وحدها استغلت نتائجها وفرضت سلطتها من خلال تكريس نظام ولاية الفقيه الشيعية. منذ ذلك الحين ورغم مرور 45 عاما، مازال الخطاب السائد هناك كما كان، خطاب إستعلائي ذو نعرة طائفية عنصرية متكبرة، أدى في المحصلة إلى بروز أزمات داخلية حادة وصعوبات إقتصادية خانقة. ولكي يتمكن من صرف الأنظار عن هذه المخاطر، قام النظام بنشر البلبلة والفوضى في المنطقة والتدخل في شؤون الدول الأخرى من خلال تقديم الدعم المالي والعسكري للجماعات والوكلاء المتحالفة معها في لبنان والعراق وسوريا واليمن.

وقد تجلى هذا النهج في حرب غزة الأخيرة ومشاركة إيران غير المباشرة فيها، وكذلك إستهداف وقصف إقليم كُردستان وحتى باكستان ومناطق في سوريا بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة. بهذه الطريقة يسعى النظام الإيراني إلى إظهار القوة والرغبة في تجاوز الحدود المرسومة له، من خلال التلويح بترسانته العسكرية وقدراته الحربية. ولعل تحرش إيران بإسرائيل حليفة أمريكا وإستفزازها الدائم، يشي بأنها باتت تملك أو على وشك صنع وإمتلاك السلاح النووي، وخاصة أنها تصنع صواريخ قادرة على توجيهه نحو الأهداف المرجوة. وهو أمر يُفسر إلى حد ما تحرك إيران وأمريكا حتى الآن ضمن ما تسمى “مبادئ الإشتباك”، القائمة على ضرورة تفادي حرب مباشرة ومفتوحة، يتم عبرها تقليص أو توسيع دائرة الحرب حسب خطورة الإعتداءات.

لقد شهدت علاقات أميركا وإيران بعد 1979 تقلبات وتغيرات كبيرة. ففي فترة حكم بيل كلينتون، تحولت سياسة أمريكا من الضغط والإحتواء إلى المغازلة العلنية، وفي عهد باراك أوباما تم وضع خطط جاهزة للرد على إيران، ولكنها لم تُنفذ؛ ثم جاءت إدارة دونالد ترامب ونفذت عمليات عسكرية محدودة دون إستهدافها في الداخل. من الجدير بالذكر هنا، تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب ترمب، والذي أعرب خلال حملته الإنتخابية الأخيرة عن رغبته في الإنفتاح والتفاوض مع إيران، مع التلويح بعصى التهديد وتصعيد التوتر.

أثناء حكم جو بايدن ورغم خرق طهران قواعد الإشتباك وإستمرار أعمالها العدائية، تم التمسك بأدنى حدود القتال، إلى أن وصلت الأمور إلى نقطة الحسم بعد الهجوم الدموي على القاعدة الأمريكية في الأردن في يناير 2023، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين. على إثر ذلك قامت الولايات المتحدة في صباح يوم 3 فبراير من نفس العام، بشن ضربات عسكرية محدودة إستهدفت فصائل موالية لطهران في كل من العراق وسوريا واليمن.

كان ذلك بمثابة نقطة إنعطاف في موقف أمريكا المتمثل في إيجاد نوع من التوازن بين سياسة الردع والتصعيد، ما بين المرونة والشدة، مرهونة بمدى تقيد وكلاء إيران وإمتناعهم عن شن هجمات جديدة. على هذه الخلفية نشأ مسار جديد في سياسة أمريكا، يسميه فريدمان “عقيدة بايدن” وتتجسد في إتخاذ موقف حازم من إيران ووكلائها في المنطقة وردعها عسكرياً من خلال الإنتقام العسكري، وسياسياً من خلال إستغلال الورقة الفلسطينية والتلويح بإعلان دولة مستقلة منزوعة السلاح. وهو مسار يهدف إلى ضمان حياد إيران أو منعها من الإرتماء في حضن آخر، وإستخدامها عند الضرورة كفزاعة ضد جيرانها العرب، كجزء من إستراتيجية أميركا القائمة على محاصرة المنافسين الصاعدين روسيا و الصين.

من جانبها تدرك إيران أيضاً مخاطر أية مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وتدرك أنها قد تكون بمثابة النهاية لمكتسباتها ونفوذها في المنطقة، مع وجود تيار متشدد تمثله رجال الدين والحرس الثوري، يرى أن المواجهة العسكرية سيجلب لهم مكاسب عظيمة.

إلى جانب هذه المسارت المتناقضة، هناك سياسة أميركية قديمة تنص على أن أنجح وسيلة للقضاء على التوتر في الدول المثيرة للمشكلات هي تقسيمها وتحويلها إلى دويلات صغيرة متحاربة ومتناحرة.

أحداث وتداعيات حقبة ما بعد حرب السابع من أكتوبر 2023 وتصاعد تهديدات إيران وإستغلال مشكلة الأقليات الشيعية في المنطقة، كشفت مدى تورطها في زعزعة أمن وإستقرار البلدان المجاورة، وخاصة أمن إسرائيل ذات الأهمية العظمى للولايات المتحدة، هذا من جانب. ومن جانب آخر، إيران نفسها بلدٌ متعدد الإثنيات والأقوام والمذاهب، حيث تمثل مسألة القوميات فيها نقطة ضعفها الكبرى، ولعل الأخطر من ذلك هو أن نسبة كبيرة من الفرس أنفسهم، تعارض نظام ولاية الفقيه في طهران.

يمكن الإستنتاج مما تم ذكره حتى الآن، بأن تماسك إيران وديمومتها بصيغتها الحالية مهمة شبه مستحيلة، فـقطار “التقسيم” آت ويتجه في مسار ثابت نحو طهران عاصمة “الجمهورية الإسلامية” الجاثمة فوق فوهة بركان ملتهب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…