تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي) (1/3)

د. محمود عباس

 

تمكن القائد عبد الله أوجلان، بخطوة جريئة، من تقويض احتمالية الخداع السياسي الذي طالما لجأت إليه الحكومة التركية والأحزاب القومية المتشددة، وذلك من خلال طرحه للسلام علنًا، واضعًا الكرة في ملعب الدولة التركية.

لقد كان هذا العرض بمثابة اختبار حقيقي لمدى صدق النوايا التركية في البحث عن حل عادل للقضية الكوردية، لكن الحكومة التركية لم تجد نفسها أمام فرصة لتعزيز صورتها كحاملة للسلام، كما كانت تأمل، بل أمام مأزق سياسي حقيقي، لقد انكشف زيف ادعاءاتها، وبدلًا من أن تظهر للعالم كطرف يسعى إلى الحل، بات واضحًا أنها الطرف المعرقل، بعكس ما كانت تحاول تصويره عبر خطابها الرسمي.

المفارقة الكبرى أن حزب العمال الكوردستاني، الذي تصفه أنقرة بأنه العقبة في وجه السلام، قائدها هو من قدم المبادرة، بينما الدولة التركية، التي لطالما زعمت أنها تريد إنهاء الصراع، لم تقدم أي خطوة ملموسة، وهذا يكشف أن العرقلة الحقيقية لم تكن في الكورد ولا في حركاتهم، بل في العقلية القومية المتشددة التي تحكم أنقرة، والتي تخشى أي تسوية قد تؤدي إلى الاعتراف بالحقوق الكوردية.

بذلك، لم يخسر حزب العمال الكوردستاني شيئًا في هذه المعادلة، بل نجح في إحراج الحكومة التركية أمام الرأي العام الدولي والإقليمي، وأثبت أن السلام ليس شعارًا، بل التزامًا يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وهو ما تفتقده أنقرة في ظل سياساتها الإقصائية والمتشددة.

خلفيات الدعوة وأبعادها التاريخية.

خطاب القائد عبد الله أوجلان الأخير يأتي في سياق معقد تاريخيًا وسياسيًا، حيث يحمل في طياته دلالات متشعبة تتعلق بالماضي الصراعي بين الدولة التركية والحركة الكوردية، وتحديدًا حزب العمال الكوردستاني (PKK)، الذي خاض صراعًا مسلحًا منذ عقود ضد الدولة التركية مطالبًا بالاعتراف بالهوية الكوردية وحقوقها السياسية والثقافية.

ولد حزب العمال الكوردستاني في فترة كان فيها العالم يعيش في ظل الحرب الباردة، وتوسع الفكر الاشتراكي الثوري، وإنكار الوجود الكوردي في تركيا، ما جعله يتبنى نموذجًا ثوريًا مستوحى من الاشتراكية الثورية وحركات التحرر الوطني.

  ومع انهيار الاشتراكية السوفييتية وتغير المشهد الدولي، تراجع هذا النموذج، وتحولت الاستراتيجيات السياسية والعسكرية لحركات التحرر، حيث انتقلت معظم الحركات القومية إلى البحث عن حلول سياسية سلمية.

وفي تركيا، جاء انهيار السياسات القمعية المطلقة تجاه الكورد خلال العقود الأخيرة نتيجة تطورات داخلية، ونضال الحزب على جميع الأصعدة، وضغوط دولية، ما فتح المجال لمراجعة نهج المواجهة المسلحة، وهو ما يبدو أن القائد أوجلان يدعو إليه بشكل صريح في خطابه الأخير، حيث يقرّ بأن حركات الكفاح المسلح قد استنفدت دورها التاريخي، وأن البديل يكمن في العمل السياسي والاجتماعي الديمقراطي.

يتضمن خطاب القائد عبد الله أوجلان عدة نقاط محورية تتعلق بالتحول من المواجهة المسلحة إلى الحل الديمقراطي السلمي، لكن في المقابل، يحمل في طياته بعض الإشكاليات والتساؤلات حول مدى واقعيته وإمكانية تطبيقه على الأرض.

  • الدعوة إلى التخلي عن السلاح وحل حزب العمال الكوردستاني بمؤتمر حزبي، وهو ما كان متوقعا وتم الحديث فيه منذ ان أعلن بأنه سيخرج بخطاب إلى الحزب، وكما نعلم فهو من أحد أهم شروط الدولة التركية، والانخراط في العمل السياسي والاجتماعي كجزء من الدولة والمجتمع التركي، وهو موقف غير مسبوق على لسانه، خاصة أنه كان تاريخيًا يؤكد على النضال ضد الدولة التركية لانتزاع الحقوق.  هذه الدعوة ربما تعكس إدراكه أن العمل العسكري لم يعد خيارًا ناجعًا في السياق التركي والإقليمي الحالي، خصوصًا بعد تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وصعود النظام الأمني القومي المتشدد في تركيا بقيادة أردوغان.
  • استبدال الطروحات القومية الكوردية بحل “المجتمع الديمقراطي” وبها يرفض النزعات القومية المتطرفة مثل إنشاء دولة قومية، الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، ويؤكد على مفهوم المجتمع الديمقراطي كبديل، هذا المفهوم يتماشى مع رؤيته السابقة حول “الأمة الديمقراطية”، التي تقوم على التعاون المشترك بين الشعوب دون إقامة كيانات قومية منفصلة.

لكن يبقى السؤال:

    • هل هذا الطرح واقعي في ظل نظام تركي لا يزال يتعامل مع القضية الكوردية من منظور أمني وقومي عنصري متشدد؟
    • هل تتوافق هذه الرؤية مع تطلعات الشعب الكوردي في شمال كوردستان، خاصة بعد عقود من القمع؟

يتبع…

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

27/2/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…

محي الدين حاجي عند تفكيك المشهد السياسي والأيديولوجي للحركة الكردية العابرة للحدود، يتجلى بوضوح وجود مثلث تحليلي تتوزع فيه الأدوار بدقة بين ثلاثة أطراف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمركز ثقل عقائدي، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كذراع حركي وتطبيقي في سوريا، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) كواجهة سياسية وبرلمانية داخل تركيا. تتحرك هذه الأطراف الثلاثة وفق هندسة فكرية صاغها زعيم…

د. محمود عباس على مدى عقود، جرى تقديم النائب الكوردي حسن خيري بك في جانب واسع من الخطاب السياسي والثقافي الكوردي بوصفه أحد النماذج الجاهزة لـ«الخيانة»، حتى اختُزل الرجل كله في موقف واحد اتخذه في واحدة من أكثر لحظات التاريخ الكوردي حساسية وتعقيدًا. ومع مرور الزمن، تحولت التهمة إلى شبه مسلّمة تُردد أكثر مما تُناقش، وكأن…