تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي) (2/4)

د. محمود عباس

 

كلية الخطاب يعكس تحولًا في الرؤية السياسية للقائد أوجلان تجاه مفهوم الصراع المسلح، حيث يعترف ضمنيًا بأن الحزب أصبح يعاني من التكرار وعدم القدرة على تحقيق أهدافه، خاصة بعد فشل الأنظمة الاشتراكية التي ألهمته، وبروز تحديات جديدة لم تكن موجودة في بدايات الحزب.

من الجانب التركي، هناك عدة دوافع قد تجعل هذه الدعوة مقبولة أو مرفوضة، بناءً على السياق السياسي الحالي:

  • الضغط الداخلي والدولي:
    • تركيا تواجه أزمات اقتصادية متزايدة، وملفات دولية مرتبطة بحقوق الإنسان، ما يجعلها بحاجة إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.
    • أي حوار مع الكورد قد يُنظر إليه كخطوة إيجابية أمام الدول الغربية، وبوابة لقبولها في الإتحاد الأوروبي، التي تنتقد سياسات القمع التركية ضد الكورد.
  • الاستفادة من إنهاء الصراع المسلح:
    • إنهاء النزاع مع حزب العمال الكوردستاني يعني تقليل الإنفاق العسكري في جنوب شرق تركيا، والتي كلفت تركيا خلال العقود الأربعة الماضية، أكثر من 360 مليار دولار على اقل تقدير من البعد العسكري إلى جانب الخسائر الهائلة في الاقتصاد والدخل الوطني بشكل عام، مما قد يتيح للحكومة تحويل الموارد التي تصرف على صراعها العنصري هذا، نحو مشاريع اقتصادية ترفع من مكانة تركيا عالميا.
    • كما أن انتهاء الصراع سيضعف قدرة الأحزاب الكوردية داخل تركيا على استخدام القمع كحجة لحشد الدعم السياسي ضد الدولة.
  • رفض محتمل من القوميين الأتراك:
    • التيار القومي التركي بزعامة حزب الحركة القومية (MHP) ودولت بهتشلي (والذي يقال بأنه مرض ودخل في غيبوبة في نفس هذا اليوم الذي صدر فيه الخطاب) قد لا يقبل بأي حلول سياسية تمنح الكورد حقوقًا موسعة، خوفًا من فتح الباب لمزيد من المطالبات القومية.
    • الدستور التركي الحالي قائم على مبدأ القومية التركية كهوية الدولة، مما يعني أن أي تغيير دستوري يعترف بالكورد قد يواجه مقاومة عنيفة من القوميين.

وهذا ما يدفع بنا إلى السؤال التالي: هل يمكن أن تؤدي هذه الدعوة إلى تعديل الدستور التركي والاعتراف بحقوق الكورد؟

هناك احتمالان رئيسيان:

  • الاحتمال الأول (الإيجابي):

 بداية مرحلة جديدة من الاعتراف السياسي بالكورد، رغم المعارضة المحتملة من القوميين الأتراك.

    • إذا تبنّت تركيا نهجًا إصلاحيًا، فقد يتم إقناع أو الانتصار على القوميين الأتراك، وتعديل بعض القوانين لتعزيز حقوق الكورد، مثل السماح باستخدام اللغة الكوردية في التعليم والإعلام الرسمي، وفتح المجال أمام أحزاب كوردية بالمشاركة السياسية دون تهم الإرهاب.
    • يمكن أن يتم تطوير صيغة حكم ذاتي محلي تضمن للكورد إدارة شؤونهم الداخلية دون انفصال.
  • الاحتمال الثاني (السلبي):
    • قد تستخدم الدولة التركية هذه الدعوة كغطاء للقضاء نهائيًا على أي نفوذ سياسي لحزب العمال الكوردستاني، بل وكل حركة كوردية تطالب بحقوق الشعب الكوردي في تركيا وسوريا، بحيث يتم إجبار الحزب على التفكك دون تقديم أي تنازلات حقيقية للكورد.
    • يمكن أن يكون الدعوة إلى الحوار مجرد استدراج لإضعاف الحراك السياسي الكوردي داخل تركيا وخارجها.
    • ويمكن لهذه الدعوة أن تكون مقدمة لحوار سياسي تاريخي، أو مجرد خطوة تكتيكية ضمن لعبة المصالح التركية. نجاحها يعتمد على عدة عوامل، أهمها:
  • مدى استعداد تركيا لتقديم تنازلات حقيقية بدلًا من مجرد استغلالها سياسيًا.
  • استجابة الشارع الكوردي لهذه الدعوة، فهناك فئات قد ترى فيها استسلامًا، بينما قد يدعمها البعض كفرصة لإنهاء عقود من الصراع.
  • الموقف الدولي من القضية الكوردية، حيث إن أي ضغط غربي على تركيا قد يدفعها إلى إظهار نوايا إصلاحية.

لكن، وبعيدًا عن الاحتمالات، ومن خلال النظر فيما وراء كواليس الأحداث، فإن المنطق السياسي يفرض أن المعتدي والمهيمن هو من يجب أن يبادر إلى السلام، لا الطرف المضطهد.  فحين تطالب تركيا الكورد، الذين عانوا لعقود من التهميش والقمع، بأن يكونوا هم من يطرحون أنفسهم كمبادرين للسلام، فإنها بذلك تعكس المعادلة، وتجعل الضحية تبدو وكأنها المذنبة، بينما تتنصل هي من مسؤوليتها التاريخية عن الاضطهاد الممنهج الذي مارسته.

ومع ذلك، وباختياره تقديم المنطق السياسي الوطني التركي على حساب البعد القومي الكوردي، تجاوز القائد عبد الله أوجلان هذه الجدلية، وحاول قلب المعادلة، متجاوزًا الماضي الدموي بنية حسنة لإنهاء الصراع.  فعل ذلك رغم وعيه العميق بأن الحكومات التركية لم تتخلّ يومًا عن سياسات الإقصاء والقهر ضد الكورد على مدى قرن من الزمن.

رغم أن هذه المعادلة مختلة ومشوهة، لا تتماشى مع المنطق السياسي القومي، ولا مع القيم الأخلاقية أو المبادئ الحقوقية التي دمرت في تركيا. مع ذلك، وكما أشرنا، فضّل السيد أوجلان تغليب البعد الوطني التركي على القومي الكوردستاني، واختار أن يطرح السلام كخيار، رغم أن الطرف المسؤول عن الظلم هو من يجب أن يتحمل مسؤولية الحل.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

27/2/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…