بى كى كى ومشتقاته دَرْبْ يِسُدّ ما يِرُدّ

درويش محما

ظهور حزب العمال الكردستاني في اواخر السبعينات من القرن الماضي، هو أسوء ما حصل للكرد في تاريخهم المعاصر، وأفضل ما قد يحصل لهم في المستقبل القريب هو اختفاء هذا الحزب بكل فروعه ومشتقاته؛ وكلما سألني احدهم عن كيفية التخلص من هذه العاهة المستديمة التي اصابت الكرد في مقتل، كنت اقول: بقاء هذا الحزب من عدمه بيد انقرة.
عملية السلام التي اعلن عنها قبل بضعة اشهر في تركيا، باشراف غير علني من الرئيس التركي السيد رجب طيب اردوغان، تجري بشكل سلس لحد الان، واذا استمرت الامور على هذا المنوال، سنشهد خلال الاشهر القليلة القادمة وقبل انقضاء العام الحالي، نهاية سعيدة لهذه العملية التي جرى ويجري التخطيط لها بعناية في انقرة.
قبل شهر من الان وبالتحديد في ١٨ فبراير شباط الماضي، السيد عبد الله اوجلان من سجنه في ايمرالي، خطى الخطوة الاولى في مسار عملية السلام الجارية، برسالة مقتضبة بخط يده، يعلن فيها عن رفضه لكل ما هو قومي كردي، وان ديمقراطية الشعوب واخوتها هي غايته، والسلاح يجب تركه والتخلي عنه، وحزبه حزب العمال الكردستاني يجب حله وفسخه؛ رسالة اوجلان هذه ارسلت لقيادات بى كى كى في جبال قنديل، ومظلوم عبدي قائد قوات قسد في شمال سورية، واوربا حيث يتواجد اتباعه ومريديه بكثرة.
الرد بالموافقة من قبل قنديل لم يتأخر، فأوجلان كان واضحا في رسالته وقد كفى ووفى وعمل ما عليه، ولان طلباته اوامر، ستعمل قيادات قنديل على عقد مؤتمر للحزب في قادم الايام، وسيكون مؤتمرهم الاخير ان شاء الله، يعلنون فيه عن حل حزبهم المشؤوم والقاء سلاحهم؛ اما السيد مظلوم عبدي قائد ميليشيات قسد، وهو عضو في حزب العمال الكردستاني منذ نعومة اظفاره، والابن الروحي لعبد الله اوجلان، صرح في البداية وعلى العلن، ان الرسالة موجه لحزب العمال الكردستاني، وان الرسالة لا تخصه ولا تخص قسد كونهم سوريون، لكن العبرة بالنتائج لا بالتصاريح، حيث استعجل عبدي إلى دمشق، وحتى يثبت انه ابن ابيه والأكثر وفاءا وحرصا على تنفيذ اوامره، قام بالتوقيع مع الرئيس السوري احمد الشرع في العاشر من مارس آذار الحالي، على اتفاق يقضي بدمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن ادارة الدولة السورية الجديدة، دون اية امتيازات تذكر للمكون الكردي السوري.
الرئيس اردوغان بدوره، اعلن عن رضاه للاتفاق الذي حصل بين السيد عبدي والرئيس احمد الشرع بعد مرور ٢٤ ساعة من اعلان بنود تلك الاتفاقيه، ولم يكتفي بذلك، بل ارسل وفدا من الطراز الثقيل من حكومته الى دمشق، يتقدمهم وزير الخارجية التركي السيد هاكان فيدان، للوقوف على تفاصيل الاتفاق واعطاء بعض النصح والارشادات للقيادة السورية، وفي خطوة مباركة تصالحية اخرى، وبعد مقاطعة طويلة من طرف الرئيس اردوغان لحزب المساواة والشعوب الديمقراطية المحسوب على اكراد تركيا، اعلن الرئيس اردوغان عن قبوله واستعداده للقاء بعض القياديين من الحزب المذكور، طبعا للوقوف على مجريات عملية السلام والبحث في مستجداتها.
مبادرة السلام التركية الكردية تجري كما خطط لها في انقرة، اصرار تركيا الدائم على نزع سلاح قسد، لم يعد مطروحا اليوم، بل على النقيض من ذلك، تركيا تريد وبشدة انضمام قسد واندماجها بالقوات العسكرية والامنية السورية، ولا يحتاج المرء للحنكة السياسية لفهم الامر وهضمه، فموافقة قنديل بحل حزب العمال الكردستاني من جهة، والاحداث الاخيرة التي جرت في الساحل السوري من عمليات قتل وحشية طالت المدنيين من ابناء الطائفة العلوية من جهة اخرى، دفعت تركيا لتغيير موقفها من ميليشيات قسد؛ فانضمام اكثر من ١٠٠ الف مقاتل محترف ومتمرس من قسد، ودمجهم في الجيش والامن السوريين، تعتبر تركة ثمينة خلفها حزب العمال الكردستاني، وهبة من السماء للرئيس الشرع، ليس من اجل استتباب الامن والامان في سورية، بل سيتم استخدام تلك القوات على افضل وجه، لوضع حد لسيطرة المتشددين في الجيش والامن السوريين، فالعمليات العسكرية الاخيرة التي جرت في الساحل السوري، كشفت عن الوجه البشع لهؤلاء التكفيريين المنضوين تحت مظلة الجيش السوري، وهذا امر خطير للغاية، قد يتسبب بجر الدولة السورية للهاوية، وهذا ما لا ترغب فيه تركيا ولا يتوافق مع طموحاتها بسورية موحدة مزدهرة حليفة وقابلة للحياة وتمتلك نفس القيم والمعايير التي تمتلكها وتؤمن بها الحكومة التركية.
خلال زيارته لتركيا في ٤ فبراير شباط الماضي، الرئيس السوري المؤقت احمد الشرع في مؤتمره الصحفي الذي عقده، لم يقل الجمهورية العربية السورية، بل الجمهورية السورية، كررها مرتين وعلى التوالي، لكن نص الاعلان الدستوري الذي صدر في ١٣ مارس آذار الحالي، والذي وقع عليه الشرع نفسه مع قائد ميليشيات قسد مظلوم عبدي، اخذ بالاسم الدارج القديم، الجمهورية العربية السورية، وقد يقول قائل، ما السبب وراء هذا التغيير؟ اعتقد جازما، ان تغيير اسم الدولة من الجمهورية العربية السورية، للجمهورية السورية هو تحصيل حاصل، وسيثبت في نص الدستور السوري الدائم، كاستحقاق قادم مرتبط بنجاح عملية السلام التي تجري بين تركيا وعبد الله اوجلان.
العد التنازلي للتخلص من حزب العمال الكردستاني قد بدء، وكلنا امل وتفاؤل بزمن كردي افضل في غياب هذا الحزب، وعنفه وارهابه وتهاونه بحقوق الكرد وارواح ابنائه “ودرب يسد وما يرد”.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…