بعد سقوط البعث العنصري ونظام أسده: قمم جيايي كورمينج تتوهج بنار نوروز 2025

إبراهيم اليوسف

 

تحمل احتفالات نوروز لهذا العام “2025م – 2637ك” أهمية استثنائية، خصوصًا لدى الكرد في سوريا، وفي عموم كردستان. يأتي هذا العيد القومي في وقتٍ حاسم يتزامن مع سقوط النظام البعثي العنصري وأركانه، الذي لطالما سعى إلى قمع هذه المناسبة ومحاربتها بشتى الطرق. منذ وصول البعث إلى السلطة، كانت معاداة الكرد جزءًا أساسيًا من سياساته، وكان الاحتفال بنوروز هدفًا رئيسيًا للحملات القمعية. هذا النهج لم يقتصر على العهد البعثي فقط، بل كان سمة واضحة في مختلف العهود الدكتاتورية السابقة، بما في ذلك العهد الناصري.

على امتداد عقود من الظلم والطغيان، لم يمر عام واحد دون أن يتعرض الشباب الكردي للاعتقال والتعذيب بسبب احتفالاتهم. كان الكرد يؤسسون فرقهم الفنية سرًا، ويؤدون  تدريبات رقصاتهم وأغانيهم في أماكن معزولة، وسط مراقبة مشددة وحراسة مستمرة. حتى التمارين المسرحية كانت تتم في بيوت متواضعة في أحياء نائية، وكانت التدريبات والتمارين  تختبئ تحت ستار حفلات خطوبة وهمية لتجنب أعين أجهزة المخابرات التي كانت تمارس العنف والرعب، من دون أن يتمكنوا من كسر شوكة الشباب الكردي. كانت الاحتفالات تقام رغم المضايقات في أماكن نائية، حتى داخل زرائب المواشي، تحسبًا من أي قمع محتمل، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قبل أن تظهر منذ أكثر من نصف قرن علناً، في الهواء الطلق خارج المدن والأرياف، متَّحدين متحدِّين آلة النظام العنصري!

قبل نوروز بشهرين أو ثلاثة، كانت الاستعدادات تبدأ؛ حيث كان الشباب  يتدربون، ويجهزون مسارحهم في الطبيعة عشية كل نوروز، ويبيتون بجوارها، رغم الظروف القاسية من البرد والمطر، خوفًا من اكتشافها من قبل الأجهزة الأمنية. فالأجهزة كانت على أهبة الاستعداد في جميع أنحاء المناطق الكردية، تتوزع أعينها وتستعد لملاحقة أي نشاط كردي.

وكانت السلطات تتبع أساليب مختلفة للضغط على الكرد، إذ كانت تمنع طلاب المدارس والموظفين من مغادرة أماكن عملهم، وتوقع عقوبات على من يغيب. كما كانت دوريات الأمن تفرض طوقًا محكمًا على المدن والمخارج، وتستقدم قوات من مناطق أخرى مثل دير الزور وحلب ودمشق، بهدف بثِّ الرعب في النفوس عبر فبركة مزاعم لا أساس لها. وكان رفع الشارات بألوان الأحمر والأخضر والأصفر – ألوان علم كردستان – أمرًا محفوفًا بالمخاطر، إذ كانت تُنتزع بالقوة من صدور الشباب وتزّين بها النساء، ويتم ملاحقتهم بأشد الطرق. كما كانت كاميرات التصوير تُصادر، والأشرطة تُنهب، لمنع توثيق هذه الاحتفالات التي تُعد خرقًا صارخًا للقوانين المقررة.

حتى في دمشق، حيث تتواجد نسبة عالية من الكرد بالإضافة إلى الكرد القادمين من المحافظات الأخرى للدراسة أو العمل، إذ إنه في عام 1986، منعت السلطات الكرد من الاحتفال في الغوطة، للاحتفال بعيدهم. في هذه المظاهرة سقط الشهيد سلمان آدي برصاص حرس القصر الجمهوري في 21 آذار 1986. وتذكرنا الراحلة وصال بكداش، عضو مجلس الشعب، التي كانت في مقدمة المظاهرة، وكيف أطلق النار على المحتجين، لتسجل بذلك شهادة نضال دائم ضد النظام.

وفي العام التالي، حاول حافظ الأسد أن يطغى على عيد نوروز بإصدار مرسوم يقضي بجعل 21 آذار عيدًا للأم، في محاولة فاشلة لطمس هوية نوروز الكردي. ورغم ذلك، استمر القمع حتى 20 آذار 2008، عندما تم إطلاق النار على الشباب الذين أوقدوا شعلة نوروز في الحي الغربي، فسقط ثلاثة شهداء وجرح آخرون، من بينهم الإعلامي كرم يوسف الذي نجا من الموت بعد أن أصيب بطلقة في رأسه. وهذا ما كان يتم في كوباني وكل المدن الكردية ومدن سكنى وتواجد الكرد.

 

 

أول نوروز بعد زوال البعث

اليوم، وبعد أن زال نظام البعث إلى الأبد، يحتفل الكرد بعيدهم لأول مرة في ظل هذا الواقع الجديد. وفي جيايي كورمينج، يتم إيقاد شعلة نوروز بكل فخر، رغم محاولات الطمس والتدمير التي تعرضت لها من قبل الفصائل في جنديرس، حيث سقط العديد من الشهداء دفاعًا عن هويتهم. ورغم أن بعض المستوطنين استغلوا الأوضاع ونهبوا البيوت، إلا أن الإدارة الجديدة تمكنت من استعادة السيطرة، وسمحت للسكان الأصليين بالعودة إلى ديارهم. وقد وصلت نسبة العودة إلى 80% في الريف و40% في عفرين، على الرغم من وجود بعض الإشكالات مع المستوطنين، الذين قاموا بسرقة الأثاث وتدمير الممتلكات.

الإنجاز الأبرز الذي حققته الإدارة الجديدة هو إخراج معظم الفصائل المسلحة من المنطقة، رغم بقاء عدد قليل من هذه الفصائل في مقراتها. كما أنها أقدمت على خطوة غير مسبوقة بإنشاء مكتب خاص بالملف الكردي في حلب، وقررت السماح برفع علمي سوريا وكردستان في احتفالات نوروز لهذا العام، كما أعلمني الصديق المهندس زهير علي اليوم، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ البلاد.

نوروز في أوروبا: شعلة على ضفاف الراين

في أوروبا، تستعد الجالية الكردستانية لإيقاد شعلة نوروز على ضفاف نهر الراين في كولن، حيث سيشهد 22 آذار احتفالات كبيرة، وستكون مناسبة لتضامن الكرد مع كردستان سوريا. تحتفل الجاليات الكردية في مختلف أنحاء العالم بعيد نوروز حاملين الأمل في عالم يسوده السلام والحرية، ويعبرون عن صمودهم في وجه القمع الذي طالهم لعقود.

إن عودة نوروز في 2025 بهذا الوهج الكبير تعتبر انتصارًا معنويًا كبيرًا بعد سنوات من محاولات الطمس والإلغاء. هو ليس مجرد احتفال، بل هو رمز للبقاء والحرية، ولصوت الكرد الذين صمدوا أمام عقود من القمع والملاحقة. ومع زوال البعث، تتجدد شعلة نوروز، لتكون مصدرًا للأمل والطريق إلى الحرية لشعب لم يفقد أمل الخلاص يومًا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…