المؤتمر الكردي السوري مصدر شرعية التمثيل (٢٢)

صلاح بدرالدين

 

ملاحظات جوهرية على ( مؤتمر الحوار الوطني ) بدمشق

  قد تكون للإدارة الانتقالية الحاكمة مبرراتها الخاصة بها ، وحسابتها الداخلية – الفصائلية –  بشان مجموعتها التي نجحت في اسقاط الاستبداد ، وهروب راس النظام ، او انطلاقها من مفهوم ان الحفاظ على اللون الواحد في السلطة والإدارة ولو بشكل مؤقت كفيل بتجنب الإشكاليات الأمنية ، والخلافات البينية حتى يتم الانتقال الى وضع طبيعي شرعي ، ولكن ليس بالضرورة بل من المستبعد تفهم الغالبية الساحقة من السوريين لتلك المبررات ، خاصة وان الثورة السورية التي انتصرت بنهاية الامر في الجزء الأساسي من أهدافها وهو إزالة الاستبداد ، مازالت غالبية أهدافها بانتظار التحقيق مثل التغيير الديموقراطي ، وانتخاب ممثلي الشعب ، وصياغة دستور سوريا الجديدة ، والعدالة الانتقالية ، والوضع الاقتصادي ، وعودة المهجرين ، والاعمار ، والشراكة الحقيقية لكل المكونات القومية والثقافية والاجتماعية ، وإيجاد الحل التوافقي لمختلف القضايا العالقة وفي المقدمة القضية الكردية ، كل هذه المهام تحتاج من اجل إنجازها الى تعاون الجميع ، والعمل المشترك من دون استبعاد أي طرف ، ومشاركة الجميع في كل المؤسسات ، وجميع المؤتمرات ، وفي اللجان التحضيرية وغير ذلك ، وعلى ضوء ذلك نعتقد ان مؤتمر الحوار الذي عقد بدمشق لم ينجح في جمع مختلف المكونات ، والتيارات السياسية الوطنية ، وخالف احد اهم اهداف الثورة ، ولم يمثل بيانه الختامي طموحات غالبية السوريين الوطنيين ، واحد أسباب اخفاقه هو اللون الواحد للجنته التحضيرية ، الى جانب ذلك لا يمكن الاستهانة بالمشاركين ، ونياتهم الصادقة في الوصول الى سوريا جديدة .

 

وماذا بعد رفض طرفي ( الاستعصاء ) مؤتمر الحوار ؟

  اعلن كل من ( المجلس الوطني الكردي ) و ( الإدارة الذاتية ) التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي رفضهما لتركيبة ، ونتائج مؤتمر ( الحوار الوطني ) بدمشق ، وقد جاء هذا الموقف – المعترض – في اللحظة الأخيرة بعد ان تاكد الطرفان انهما خارج الاطار ، ومستبعدان من الدعوة كاحزاب ، حيث لم يصدر عنهما أي  اعتراض على ذلك المؤتمر حتى عندما اعلن عن أسماء أعضاء اللجنة التحضيرية ، بل كان مسؤولو – الانكسي –  الذين تواجدوا بدمشق ينتظرون دعوتهم بفارغ الصبر ، واضعين آمالهم بالاغلب على ( وسطاء !) ، كما ان مسؤولي – قسد – مسد – وباسم كل التسميات الأخرى بما فيها – الإدارة الذاتية –  ينشرون ويسربون معلومات متفائلة بوسائل الاعلام عن قرب التوصل الى حل مع الإدارة الانتقالية وبما معناه كانوا بانتظار دعوتهم أيضا عبر ضغوط ( وسطاء ) من نوع آخر ، ولو قيض لاي طرف المشاركة لكان اعلن انه ” الممثل الشرعي ” للكرد السوريين ، كما ان الطرفين لم يبديا أي التزام بمدأ الاجماع الكردي من خلال – المؤتمر الكردي السوري الجامع – الذي يتبناه حراك ” بزاف ” كمشروع ، وابلغ الطرفين برسائل منذ نحو شهرين من اجل البدء بتشكيل لجنة تحضيرية للاعداد لذلك المؤتمر ، حتى – الحركة الالتفافية – من جانب – حزب الاتحاد الديمقراطي – بدعوته الى مؤتمر من اعداده بالاسم ذاته لم تتحقق بعد ، وقد يعود ذلك الى مراهنته على احتمال مشاركته في مؤتمر الحوار ، وبالتالي لاحاجة اليه .

 

استغراب من تهرب الطرفين من المسؤولية

  هناك أمور حدثت من وراء الكواليس ، ومداخلات ، واتصالات إقليمية ، ودولية تمت في الأيام الأخيرة ماقبل اعلان الطرفين الكرديين الحزبيين عن مواقفهما تجاه مؤتمر الحوار ، ولن نخوض في تفاصيلها الان ، ولكننا نبدي استغرابنا الشديد من مضمون موقفي الطرفين ، حيث لم تتم الإشارة الى مسؤوليتهما أيضا في حرمان الكرد السوريين من تلك الفرصة التاريخية لاثبات الوجود ، والمشاركة في محفل كبير جمع اطيافا من السوريين ، والتي كانت بمتناول اليد وللمرة الأولى منذ اكثر من خمسين عاما ، وفي أجواء الحرية النسبية ، ومابعد سقوط نظام الاستبداد ، الا يدعو كل ذلك الى التساؤل حول مدى مصداقية أحزاب الطرفين ، ودرجة تعبيرها عن مطامح وآمال الكرد السوريين ، وزيف تمثيلها الشرعي ،  وجدوى استمراريتها من اخفاق الى آخر ؟ ، ومن جهة أخرى وهذا مايدعو الى الاستهجان عدم دعوة الطرفين في بيناتهما الاعتراضية على مؤتمر الحوار الى ضرورة تصحيح المسار والبحث عن بديل من اجل التفاهم مع العهد الجديد ، واللجوء الى عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع ، مع الاعتراف بالفشل وقبول الامتثال لقرار الغالبية الوطنية الكردية المستقلة في المؤتمر المنشود .

 

ماهو المطلوب الان في الحالة الكردية

  خسارة هذه الجولة ليست نهاية الدنيا ، واجراء المراجعة بالعمق خصوصا من جانب أحزاب طرفي ( الاستعصاء ) هو السبيل الوحيد للتمهيد لخطوات المستقبل ، ولاننا فقدنا الامل بشكل شبه نهائي من إمكانية مراجعة الأحزاب النقدية ، وتقديم الاعتذار للشعب ، والتعهد بقبول توفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع ، والمشاركة بلجنة تحضيرية قوامها غالبية وطنية مستقلة ، فاننا ندعو الى ( خيار الضرورة المصيري ) وهو مناقشة إمكانية عقد ذلك المؤتمر المنشود في المكان والوقت ، والوسيلة ، الملائم المتوفر ، وذلك من جانب الوطنيين المستقلين بكافة شرائحهم النخبوية المثقفة الملتزمة ، ومنظماتهم المدنية ، واتحاداتهم الشبابية ، والنسوية ، والإعلامية ، والفنية ، وسائر شخصياتهم المناضلة ، وفي هذا المجال يمكن لرجال الاعمال والميسورين الكرد السوريين المشاركة أيضا ، وتقديم الدعم اللازم حتى يكون المؤتمر مستقلا في قراراته وسيد نفسه .

   ان اختيار من يمثل الكرد السوريين بالانتخاب الحر الديموقراطي ، سيفتح الأبواب امام ممثلي الكرد ، وسيحدث التفاهم ، والتعاون ، والعمل المشترك مع العهد الجديد بدمشق ، وستتحقق التشاركية في تحمل المسؤوليات ، وإنجاز المهام الكبرى عبر الحوار والتوافق ومن ضمنها إيجاد حل للقضية الكردية في اطار سوريا الواحدة ، وفي الحالة هذه لن تكون هناك حاجة للوسطاء ، مع قطع الطريق على اية تدخلات خارجية باحثة عن ذرائع .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…