الكُرد في سوريا.. بين رهانات الوحدة والتحديات

مشعل أوصمان
في قلب المشهد السوري المتشابك، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات، يقف الكُرد أمام اختبار مصيري بين ضرورة التوحد وواقع الانقسام.
فبينما تدفعهم الجغرافيا والسياسة إلى التكاتف، تشدهم الخلافات الداخلية والتدخلات الخارجية نحو مسارات متباعدة، مما يجعل وحدة الصف الكُردي معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة.
ورغم المحاولات المستمرة لرأب الصدع وتعزيز لغة الحوار بين القوى الكُردية المختلفة، تبقى المصالح المتباينة والتجاذبات السياسية كجدران فاصلة تحول دون الوصول إلى رؤية موحدة.
المشهد الكُردي السوري مقسم بين تيارين رئيسيين: المجلس الوطني الكردي (ENKS) والإدارة الذاتية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، إلى جانب أحزاب أخرى تتبنى مواقف مستقلة، مما يعقد المشهد ويزيد من تداخل الحسابات الإقليمية والدولية في القضية الكُردية.
الخلافات لا تتوقف عند طبيعة العلاقة مع النظام السوري أو أشكال الحكم الذاتي المطلوبة، بل تمتد إلى التدخلات الإقليمية التي تلقي بثقلها على أي محاولة للوحدة.
تركيا، التي ترى في أي مكسب كردي تهديدا استراتيجيا، تسعى جاهدة لمنع نشوء كيان كُردي مستقر، فيما تبقى العلاقة مع دمشق محكومة بحسابات معقدة بين الضغوط والمفاوضات، في ظل استمرار الحكومة السورية في فرض واقع يجعل وحدة الصف الكُردي أكثر صعوبة.
وفي ظل هذه التعقيدات، حمل يناير 2025 تطورات سياسية لافتة، كان أبرزها لقاء جمع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، برئيس الحكومة السورية الجديدة أحمد الشرع في دمشق.
اللقاء حمل دلالات رمزية، حيث استقبل عبدي بعبارات كردية، في خطوة وصفها بالإيجابية.
وفي السياق ذاته، استضافت مدينة هولير اجتماعا بين الزعيم الكردي مسعود بارزاني والجنرال مظلوم عبدي، حيث ناقش الطرفان سبل توحيد الصف الكردي وتعزيز الحوار مع الحكومة السورية، إلى جانب أهمية بناء تحالفات دولية راسخة لضمان دعم مستدام للقضية الكُردية.
أما على صعيد المطالب السياسية، فيتمسك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بالاعتراف بالإدارة الذاتية ضمن نظام لامركزي، مع دمج قوات (قسد) في الجيش السوري مع ضمان استقلاليتها، إضافة إلى تقاسم الثروات مع دمشق.
في المقابل لم يعقد المجلس الوطني الكردي لقاء رسميا مع الحكومة السورية الجديدة حتى الآن، لكنه أجرى مباحثات مع قيادة (قسد) حول تعزيز الوحدة الكُردية ووضع خارطة طريق للتفاوض مع دمشق.
ويؤكد المجلس على ضرورة تضمين الحقوق القومية للكُرد في الدستور السوري المستقبلي، ضمن إطار فيدرالي يحفظ وحدة البلاد واستقرارها، معتبرا أن توحيد الموقف الكُردي خيار استراتيجي لا غنى عنه.
ورغم التحديات العميقة، يبقى الأمل قائما، إذ إن تجاوز الخلافات الداخلية والانطلاق نحو حوار جاد بين المجلس الوطني الكردي والإدارة الذاتية قد يكون مفتاحا لبناء رؤية مشتركة تلبي تطلعات الشعب الكردي في سوريا.
ومع التطورات السياسية الأخيرة واللقاءات المتتالية بين الزعماء الكُرد، تبدو الفرصة سانحة لاتخاذ خطوات أكثر جدية نحو الوحدة. وإن حظي هذا المسار بدعم دولي فعال، فقد لا يكون تحقيق الحل السياسي العادل للكُرد مجرد طموح، بل واقعا قابلا للتجسد على أرض الصراع السوري الطويل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…