الكتّاب والمثقفون في روج آفا: بين توحيد الجهود وتشظي الولاءات

عبدالجابر حبيب

 

مقدمة: بين الإبداع والاصطفاف السياسي

 

لطالما كانت الاتحادات المهنية والثقافية انعكاساً طبيعياً للحاجة إلى تنظيم العمل الجماعي، وتوفير إطار موحد لحماية حقوق المنتسبين إليها وتعزيز دورهم في المجتمع. ففي معظم الدول، نجد اتحاداً واحداً للعمال، وآخر للصحفيين، واتحاداً للكتّاب، بحيث يكون كل منها مظلة تجمع العاملين في مجاله، بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية أو السياسية.

 

أما في روج آفا، فالأمر مختلف؛ إذ يوجد أكثر من خمسة اتحادات للكتّاب والمثقفين، يحمل كل منها اسماً مختلفاً، مما يدعو للتساؤل: هل هذا التعدد نتيجة اختلافات أدبية وفكرية حقيقية، أم أنه انعكاس للخلافات السياسية والتجاذبات الحزبية التي تهيمن على المشهد؟ ولماذا لا يكون هناك اتحاد واحد يمثل جميع الكتّاب والمثقفين في المنطقة، كما هو الحال في معظم دول العالم؟

 

حين تتحوّل الساحة الثقافية إلى امتداد لصراعات القوى المتناحرة، يبرز سؤال جوهري: هل لا يزال المثقف قادراً على أداء دوره بحرية، أم أنه بات رهيناً لتوجهات أيديولوجية تحكم مساره وتقيّد قلمه؟ في روج آفا، حيث تتشابك القضايا القومية والسياسية والاجتماعية، لم يكن الواقع الثقافي بمنأى عن هذه التعقيدات، فبدلاً من كيان واحد جامع، ظهرت عدة اتحادات، لكل منها هويته الخاصة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية المثقف، وحقيقة العلاقة بين الثقافة والسياسة في هذه المنطقة.

 

الاتحادات المتعددة: انقسام طبيعي أم انعكاس للخلافات السياسية؟

 

في العادة، يُفترض أن يجمع اتحاد الكتّاب تحت مظلته جميع المبدعين، موحداً جهودهم في خدمة الأدب والفكر. لكن في روج آفا، نجد مشهداً غير مألوف: خمسة اتحادات تحمل مسميات مختلفة، وكأن كل فصيل سياسي يسعى لأن يكون له ذراعه الثقافي الخاص.

 

قد يُقال إن هذا التعدد يعكس التنوع الفكري والأدبي، لكن الواقع يشير إلى أن هذه الاتحادات ليست كيانات ثقافية خالصة، بل تتداخل فيها اعتبارات سياسية وحزبية. فكما تتعدد الأحزاب، تتعدد الاتحادات، في محاولة كل طرف لإثبات وجوده وتقديم روايته الخاصة. وفي المقابل، نشأت اتحادات أخرى كرد فعل، لإثبات أن المثقفين المنتمين إليها لا يقلّون أهمية عن غيرهم.

 

مشروع التوحيد: خطوة جادة أم استجابة للمتغيرات السياسية؟

 

في الاجتماع الأخير لهذه الاتحادات، طُرحت فكرة تشكيل “الهيئة المشتركة للكتاب والمثقفين الكرد في روج آفا”، تحت شعار توحيد الجهود الثقافية بعيداً عن الخلافات السياسية. ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو إيجابية، إلا أن نجاحها مرهون بقدرتها على تجاوز الاصطفافات الحزبية وتقديم مشروع ثقافي حقيقي.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا التوحيد نابع من قناعة بضرورة وحدة المثقفين، أم أنه مجرد استجابة لمتغيرات المرحلة؟ وإذا كان الهدف فعلاً هو توحيد النشاطات، فلماذا لا يُحسم الأمر بإنشاء اتحاد واحد يمثل الجميع دون تعدد المسميات؟

 

وهنا، يُطرح مقترح آخر: ما دام ليست هناك نية للوصول إلى اتحاد واحد، فلماذا لا تطلق كل مجموعة على نفسها “ناديًا ثقافيًا” بدلاً من “اتحاد”؟ في هذه الحالة، سيكون الأمر طبيعياً، كما كان في السابق مع “نادي غادة السمان الأدبي” وغيره من النوادي الثقافية، مما يعكس التنوع دون أن يتحوّل إلى انقسام مؤسسي.

 

الثقافة في مواجهة الإملاءات السياسية

 

من الواضح أن الثقافة في روج آفا لم تسلم من الاستقطابات السياسية، فالكتّاب والمثقفون وجدوا أنفسهم أمام خيارين: إما الانخراط في المشهد السياسي عبر اتحادات تحمل طابعاً أيديولوجياً، أو البقاء على الهامش كمستقلين بلا صوت موحد. وإذا كانت هناك رغبة حقيقية في إصلاح هذا الواقع، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون في تحرير الثقافة من سطوة السياسة، بحيث تصبح الاتحادات فضاءً للإبداع، لا مجرد أذرع لمشاريع سياسية.

 

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المثقفين في روج آفا لا يكمن في عدد الاتحادات، بل في قدرتهم على تقديم مشروع ثقافي مستقل، يعبر عن تطلعات المجتمع بعيداً عن الاصطفافات السياسية التي تهدد بتحويل الثقافة إلى أداة في لعبة المصالح.

 

ختاماً: نحو اتحاد حقيقي، لا مجرد هيئة مشتركة

 

إذا كان الهدف من تشكيل “الهيئة المشتركة” هو الوصول إلى صوت ثقافي موحد، فلا بد من طرح سؤال جوهري: لماذا لا يكون هناك “اتحاد واحد” مستقل عن كل الأجندات السياسية، يُعنى فقط بالأدب والفكر؟

 

إن تجربة التوحيد قد تكون خطوة أولى، لكنها لن تحقق الغاية المرجوة ما لم تتخلّ الاتحادات عن الحسابات السياسية، وتعمل على تشكيل كيان ثقافي يمثل الجميع بصدق. فالثقافة لا تُبنى على أساس الولاءات، بل على الإبداع والحرية الفكرية، وكلما تحررت من قيود السياسة، كانت أكثر قدرة على التأثير الحقيقي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…