الشاعرة البوطانية ديا جوان: حياة مترعة بالكفاح والحلم

إبراهيم اليوسف

 

واحداً تلو آخر، نفقد الحالمين بالكتابة والإبداع، بعد أن ذررتنا رحى الحرب اللعينة في بلدنا، وبتنا نتوزع خرائط العالم. كصورة طبق الأصل عن أهل بلدنا، دافعين ضريبة جد باهظة، عبر عقد ونف تقريباً، من لحظة اشتعال أوار الحرب التي ترجم النظام السوري ثورة السوريين إلى لغتها، في إطار: إبادة السوريين وإضاعة الوطن الذي تناوب على ذبحه كل هواة القتل الذين آذن له النظام الدموي البائد ذلك فهاهي الشاعرة الكردية زينب أوصما نشوزي- ديا جوان ترحل هي الأخرى، صباح اليوم، في أحد مشافي إقليم كردستان الذي لجأت إليه، مفضلة إياه على اللجوء إلى أوربا، كي يظل صوتها متردداً بين حبر القصائد التي تناولته، وفق ذبذبات روحها، وحرائق قلبها الحاني الذي عرفته، عن قرب، كي يظل ظل رؤاها. حلمها في مخيلات كل من عرفوها: امرأة كردية أصيلة تنوس بين الرقة والصلابة. إنسانة، وشاعرة لم تهادن أساطين السطوة، عبر كلمتها، أو موقفها الذي ترجمته في نضالها السياسي، ضمن صفوف الحزب الكردي السوري الأول: البارتي، أو عبر صور قصائدها التي طالما نسجتها عبر مخيالها الذي كان في انتظار التقاطه كي ينسكب على الورق وبين أغلفة الكتب: شعراً ونثراً، في آن واحد.

لقد كان الشعر عالمها، لكنه لم يكن وحده معركتها؛ فقد صنعت ديا جوان حياتها بأصابعها، جنبًا إلى جنب مع زوجها الصديق الخطاط سعيد شوزي الذي طالما زارني في بيتي في قامشلي مع الصديق الباحث علي جزيري وآخرين، في سبيل تأمين حياة

كريمة لعائلتها. بين الفن والكلمة، وبين القلم والورقة، شقت الطريقان معًا، وصنعا من الحروف مصدر رزق ومن الإبداع ملاذًا.

لم تكن الحياة سهلة عليها، فقد تحمّلت الأمومة برعاية أبنائها وبناتها، الذين تخرجوا واحدًا تلو الآخر، فكان إنجازهم مرآةً لجهودها  ورفيق دربها: أبي جوان، في توجيههم نحو المستقبل رغم الصعوبات كلها. ولم يقتصر عملها على مكان واحد، بل تنقلت بين حلب ودمشق، باحثةً مع زوجها سعيد شوزي عن لقمة العيش ومأمن الأمان لعائلتها، ولم تبخل بالكتابة أو تتوانَ عن تحقيق حلمها بالكلمة التي حفرت أثرها في وجدان شعبها.

كان بيتها في حي الكرد الدمشقي أكثر من مجرد منزل؛ فقد كان عنواناً لكثيرين من المثقفين، والسياسيين، والطلاب القادمين من الجزيرة، والعمال الباحثين عن دفء الغربة في دمشق، وهكذا لكثيرين من اللاجئين الكرد من مختلف أجزاء كردستان. وكانت ديا جوان حاضرة دومًا ، سواء أكان ذلك في محطة في 12 آذار، أوفي كل محطة من نضالات شعبها، حاملةً في قلبها سيرة عائلتها في بوطان، وذكرى أبيها. عمها الملا أحمد شوزي. قريبها الشيخ  عبدالرحمن كارسي، وحبها العميق لآل بارزاني، وحلمها الكبير بكردستان المستقلة الذي لم يفارقها حتى اللحظة الأخيرة. أتذكر اتصالات هاتفية عدة من قبلها في الثاني عشر من آذار- عندما أصيب ابني كرم بطلقة رصاص في رأسه- وهكذا إثر حوار ثقافي بين المثقفين، كما أتذكر تعزيتي لها ولصديقي خورشيد أواخر سنة 2010 ونحن في مطعم شارقي، عندما بلغني نبأ رحيل أبي جوان بعد عملية استئصال مرارة، مريرة، أودت بحياته، نتيجة فيروس، كما قيل للأسرة!

في منتصف الثمانينات، نُظم لها أول ندوة في بيت جيراننا، عائلة نوري ملا خليل في شارع الحرية، بتنسيق من الشابة آنذاك سعدية ملا خليل وزملاء وزميلات لها. وقد حضرت تلك الأمسية برفقة الشاعر طه خليل، حيث شاركنا في نقد جوانب من نصوصها الشعرية والسردية، بحماس الشباب وتطرفه؛ وكان الشاعر بافي نارين حاضرًا أيضًا، وكانت تلك اللحظات بداية لتواصل دائم بيننا، فقد تقبلت نقدنا بروح عالية من الوعي والتفهم.

عشية سفرها لحضور مؤتمر للكتاب في العالم العربي، أجريت معها لقاءً لمجلة “كولان العربي” بترتيب من الصديق أ. سعيد والباحث علي الجزيري، وذلك في تسعينيات القرن الماضي. واستمر التواصل معها حتى بعد مرضها، إلى أن أصبح الرد على المكالمات مستحيلاً من قبلها أثناء تواجدها في تركيا، أو في إقليم كردستان. إلى أن طمأنني صديقي وصهرها خالد كمال طمأنني عن حالتها، آنذاك، وللأسف، فإن ما خططنا له، في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد من خطط – وبين ابن عمها خورشيد- إلا أن كل ذلك لم يُثمر، بسبب استمرار تردي وضعها الصحي.

ومن أبرز المثقفين الكرد الذين زاروا بيتها قادمين من الإقليم، الصديق فلك الدين كاكائي وغيره، وكان عنوانًا للطلاب والطالبات القادمين من الجزيرة، وللاجئين الكرد من مختلف أجزاء كردستان في دمشق. كما ظلت ديا جوان وفية لـآل بارزاني، حاملةً حلم كردستان في قلبها.

شاركت ديا جوان في لقاء المثقفين الكرد مع نائب الرئيس السوري آنذاك، د. نجاح العطار في العام 2006، وكنت من عداد هؤلاء، حيث دار حديث خاص بينهما عن الأدب الكردي وتجربتها ومعاناة شعبها.  

اليوم، تُودَع ديا جوان الساحة الثقافية، لكن كلماتها باقية وروحها محفورة في ذاكرة كل من عرفها، وجهودها لن تضيع في زحام النسيان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…