السوريّون بين المأمول والممكن: قراءة في الواقع السياسي والاجتماعي بعد عقدين من الأزمة

عبد الجابر حبيب

ـ ذاكرة التهميش ومسار التغيير

بعد عقدين من اندلاع الأزمة السورية، وتحوّلها من انتفاضة مطلبية إلى صراع إقليمي ودولي، ما زال السوريون يتأرجحون بين الحلم بوطن حر تعددي عادل، وبين واقع تمزقه الانقسامات، وتثقله التدخلات الأجنبية والمصالح المتضاربة. سوريا اليوم لم تعد كما كانت، لكن السؤال يبقى: إلى أين تسير؟ وهل ثمة أمل في التحول نحو مستقبل يليق بتضحيات السوريين؟

ـ الكرد وتاريخ من التهميش دون الارتهان

لأكثر من نصف قرن، تعرضت الأقليات في سوريا للتهميش بدرجات متفاوتة، وكان الكرد من بين أكثر المكونات التي واجهت سياسات الإقصاء والحرمان من الحقوق الثقافية والسياسية. ورغم ذلك، لم يسقط الكرد في حضن النظام طمعاً في رضا السلطة، بل حافظوا على مسافة نقدية، وواصلوا المطالبة بحقوقهم في إطار سوري جامع.

ومع اندلاع الأزمة، بدأت بعض الفصائل المسلحة بمهاجمة الكرد سياسياً وعسكرياً، متذرعة تارة بالانفصال، وتارة بالتحالف مع الولايات المتحدة، وأخرى بارتكاب “قوات سوريا الديمقراطية” انتهاكات في مناطق ذات غالبية عربية. هذه الادعاءات تجاهلت حقيقة أن “قسد” ليست قوة كردية صرفة، بل تضم قرابة 60% من المكونات غير الكردية. ومع ذلك، لم يتوقف الكرد عن محاولة الحوار مع حكومة دمشق، في إطار تصور سياسي لسوريا تعددية، ديمقراطية، لا مركزية.

ـ مركزية الحوار والسعي إلى سوريا لكل مكوناتها

رغم كل محاولات العزل والتخوين، لم يقطع الكرد الحوار مع النظام، على أمل التوصل إلى رؤية لسوريا المستقبل، دولة تتسع لجميع مكوناتها القومية والدينية والطائفية. المفارقة أن الأصوات التي نادت ببناء سوريا ديمقراطية لم تجد الصدى نفسه في أوساط الطائفة العلوية، لا بسبب الرفض الشعبي، بل نتيجة القمع الذي مارسه النظام ضد أي صوت مستقل داخل الطائفة.

لذلك لا يصح القول بأن العلويين حكموا سوريا خمسين عاماً؛ من حكم فعلياً هو عائلة الأسد، التي استندت في تثبيت سلطتها إلى شبكة واسعة من المؤيدين، أغلبهم من الطائفة السنية، بمن فيهم الوزراء وأركان المؤسسات الأمنية.

ـ الكرد ما بعد النظام: مشروع وطني في مواجهة التشظي

مع سقوط أجزاء من سلطة النظام وتقدم الفصائل المسلحة، تمسّك الكرد بمشروع سياسي لا يدعو للانفصال بل يركز على بناء سوريا لا مركزية ديمقراطية. وعلى خلاف ما يُروّج له، فإن مطالب الكرد ظلت مرتبطة بوحدة البلاد وتماسكها، بعيداً عن الهيمنة التركية التي تمثل تهديداً مباشراً لكل مسعى للاستقرار.

ورغم أن النظام السوري كان رهينة القرار الإيراني، فإن الوجه الجديد للوصاية يتمثل في تركيا، التي لا تسيطر فقط على شمال سوريا، بل تسعى لتكون وصية على الحكومة الانتقالية. هذا الطموح التركي يصطدم بمصالح بعض الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، التي ترى في التوغل التركي تهديداً لوحدة سوريا واستقلال قرارها.

ـ وصاية إقليمية ومأزق وطني

إن استمرار تدخل تركيا في القرار السوري سيقود الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلى مأزق يشبه مأزق نظام الأسد. فالوصاية تُفقد أي حكومة شرعيتها وقدرتها على ممارسة دورها الوطني. ومن جهة أخرى، فإن إسرائيل لن تكف عن هجماتها ما دامت جماعة الإخوان المسلمين، المدعومة من أنقرة، تتحكم بمفاصل القرار السوري، بحجة حماية الدروز أو غيرهم، بينما الأسباب الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير.

ـ مبادرة السويداء: الأمن المحلي والانتماء الوطني

في مشهد مختلف، شكل اتفاق السويداء مبادرة مجتمعية نابعة من مشايخ العقل ووجهاء المحافظة، لتنظيم الأمن وضبط السلاح، في خطوة عكست شعوراً عالياً بالمسؤولية والانتماء لسوريا. جاء بيان السويداء رافضاً لأي دعم خارجي، ومؤكداً أن أبناء المحافظة جزء لا يتجزأ من الوطن.

وقد شارك شبان من السويداء في تأسيس قوى الأمن العام المحلية، وأكد الشيخ حكمت الهجري أن من يحمل السلاح يجب أن يكون مرخصاً أو تابعاً لمؤسسات الدولة، حفاظاً على استقرار المحافظة وسلامتها. ورغم اعتراض “المجلس العسكري في السويداء” على الاتفاق، فإن أكثر من 90% من الأهالي يوجهون بوصلتهم نحو دمشق، مع وجود أقلية رافضة بلا مبررات مقنعة.

ـ أمريكا والمخرج من عنق الزجاجة

لا يمكن مقاربة مستقبل سوريا من دون التوقف مطولاً عند الدور الأميركي، فالولايات المتحدة لا تزال تمسك بخيوط النفوذ الأهم في الشمال الشرقي، وهي الجهة الوحيدة القادرة ـ إذا شاءت ـ على تحريك عجلة التسوية السياسية نحو مخرج جدي. إن الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة، ورفع العقوبات الاقتصادية، يمكن أن يشكّلا بوابةً حقيقية للخروج من عنق الزجاجة، ولبدء مرحلة من التعافي تنهي معاناة الملايين.

لكن هذا المسار لا يمكن أن يتحقق دون استجابة للشروط الأميركية، وفي مقدمتها إخراج كل العناصر غير السورية من البلاد، ممن ينتمون إلى تنظيمات مدعومة إقليمياً أو يحملون جنسيات أجنبية.

هنا يُطرح التحدي الأكبر أمام الرئيس الشرع: هل يمتلك الجرأة لاتخاذ خطوة مفصلية كهذه، أم سيظل أسيراً لدوائر الولاء القديمة، مقيداً بشعارات “رفاق السلاح” التي لم تعد تصلح لبناء دولة؟

أخيراً: بين واقعية الممكن وأمل المأمول

في المشهد السوري الراهن، تختلط خيوط الداخل بخطوط الخارج. وبين من يحاول فرض رؤيته بالقوة، ومن يراهن على الزمن والمصالح المتبادلة، يبرز صوت العقل: لا يمكن بناء سوريا دون الاعتراف بجميع مكوناتها، ولا استقرار دون إنهاء الوصاية الإقليمية، ولا مستقبل دون توافق وطني شامل بعيداً عن المركزية،  يضمن العدالة، والحرية، والتوزيع المتوازن للسلطة والثروة.

ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمام الرئيس أحمد الشرع: أن يكون رئيساً لكل السوريين، لا مجرد ممثل لإملاءات الخارج أو امتداداً لسلطة فوق وطنية.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة على الجميع: هل تستطيع سوريا تجاوز فوبيا اللامركزية، وتبنّي مشروع وطني جامع؟

أم أنها ستجد نفسها رهينة بيد سلطة جديدة، لا تختلف عن نظام بشار الأسد، سوى في شكلها الخارجي، وهيكلتها المستندة إلى خطاب إسلاموي يكرر تجربة حزب البعث، لكن بثوب جديد؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…