التحول الكردي في كردستان سوريا بعد الكونفرانس: معطيات إقليمية ودولية ومواقف دمشق المرتقبة

حوران حم

مع انتهاء الكونفرانس الكردي في كردستان سوريا وتبلور ملامح وحدة الصف والموقف الكردي، تدخل القضية الكردية في سوريا مرحلة جديدة محفوفة بالفرص والتحديات. إذ إن اجتماع القوى الكردية رغم النواقص حول برنامج سياسي موحد يمثل محطة مهمة سيكون لها انعكاسات عميقة على المشهدين الإقليمي والدولي، كما ستفرض معادلة جديدة في العلاقة مع إدارة دمشق.

 ملامح التحول الكردي الداخلي

رسخت مخرجات الكونفرانس مبدأ وحدة الصف والموقف كأولوية استراتيجية، ما عزز من مكانة  الكرد كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة. ويستند التحرك الكردي الراهن إلى مطالب مشروعة تتلخص بتثبيت الإدارة الذاتية كصيغة حكم معترف بها، وضمان دستوري للحقوق القومية والثقافية والاقتصادية، إلى جانب إلغاء كل السياسات التمييزية التي مورست بحق الشعب الكردي لعقود.

المعطيات الإقليمية والدولية

في ظل هذه التحولات، تبدو الساحة الدولية أكثر انفتاحاً على التعاطي مع المطالب الكردية:

الولايات المتحدة الأمريكية تواصل دعم استقرار المناطق الكردية، وترى في التجربة الكردية نموذجاً ديمقراطياً ينبغي حمايته، لا سيما في سياق استراتيجيتها لمحاربة الإرهاب وضمان استقرار في المنطقة.

روسيا تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين دعمها لدمشق والانفتاح على الكرد لضمان دور مؤثر في صياغة الحل السياسي السوري.

تركيا تنظر بعين القلق إلى أي خطوة من شأنها تعزيز الكيان الكردي في كردستان سوريا، وتعمل على إفشال المشروع الكردي عبر أدوات سياسية وعسكرية.

الدول العربية، وعلى رأسها مصر والإمارات والسعودية، تبدي اهتماماً متزايداً باستقرار مناطق الكردية، وترى في دعم المشروع الكردي عاملاً لإضعاف النفوذين التركي والإيراني.

أما على الصعيد الدولي، فإن الحركة الكردية تسعى لتأطير مطالبها ضمن الشرعية الدولية، مستندة إلى مواثيق حقوق الإنسان وحقوق الشعوب الأصلية، في محاولة للحصول على دعم قانوني وسياسي لمشروعها.

 مواقف دمشق المرتقبة

رغم أهمية التغيرات الحاصلة، إلا أن دمشق لا تزال تتعامل مع المطالب الكردية بحذر شديد:

الرفض المبدئي سيكون السمة الأبرز، إذ اعتادت السلطة السورية وصف أي مشروع كردي بالمؤامرة الانفصالية، على الرغم من أن الخطاب الكردي يركز على الحقوق ضمن إطار الدولة السورية.

سياسة الاحتواء قد تتجسد في محاولات دمشق لتقديم تنازلات شكلية على صعيد الحكم المحلي مع الاحتفاظ بالسلطة المركزية.

أدوات الضغط ستكون حاضرة، سواء عبر إثارة الاضطرابات أو خلق انقسامات داخلية بين الأطراف الكردية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية، قد تنخرط دمشق في مفاوضات مشروطة تسعى إلى تقليص المكاسب الكردية قدر الإمكان.

يدخل الكرد في سوريا مرحلة دقيقة تتطلب وعياً سياسياً عميقاً لإدارة مكاسب الكونفرانس. فالنجاح لن يتحقق فقط عبر وحدة الصف، بل من خلال توسيع التحالفات مع بقية المكونات السورية، وتفعيل الحراك الدبلوماسي الدولي، والتشبث بالشرعية الدولية كمرجعية أساسية للمطالب.

في المقابل، فإن أي تراجع أو خلاف داخلي سيشكل فرصة ذهبية للقوى المتضررة لإفشال هذا التحول التاريخي.

الكرد أمام لحظة مفصلية: إما الانطلاق نحو تثبيت مكانتهم الوطنية عبر الحلول السياسية المشروعة، أو العودة إلى مربع الانتظار الطويل

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…