التحديات الاقتصادية في إيران: التناقض بين الأهداف الطموحة والحقائق المرة

سعید عابد

أفاد مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني مؤخرًا بانخفاض النمو الاقتصادي في صيف عام 2024 مقارنة بالربيع، مما أثار مخاوف بشأن فعالية السياسات الاقتصادية للحكومة الرابعة عشرة.
وفقًا للتقرير، بلغ النمو الاقتصادي الشهري لإيران في سبتمبر 2024 1.9% فقط مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وعند استبعاد قطاع النفط، ينخفض ​​النمو إلى 1.6%. تمثل هذه الأرقام انخفاضًا كبيرًا عن معدل النمو 3.2% المسجل في ربيع عام 2024 (2.5% بدون النفط)، مما يسلط الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه الإدارة.
يُظهر التحليل الدقيق للتقرير أن قطاع الخدمات ساهم بشكل أكبر في النمو في سبتمبر، حيث أضاف 0.89%، يليه قطاع الزراعة بنسبة 0.65% والنفط والغاز بنسبة 0.36%. في المقابل، سجل قطاع الصناعات والمناجم معدل نمو سلبي بلغ -0.04%، مع عوامل مثل انقطاع التيار الكهربائي، وانخفاض الاستثمار في البناء، وانخفاض مبيعات مواد البناء التي دفعت هذا الانكماش.

أهداف نمو متناقضة

على الرغم من أن الحكومة الرابعة عشرة شهدت انخفاضًا في النمو الاقتصادي في وقت مبكر من ولايتها، فإنها تستهدف معدل نمو طموح بنسبة 8% كما هو موضح في خطة التنمية السابعة. ومع ذلك، فإن الأرقام الاقتصادية لهذا الصيف تتناقض بشكل مباشر مع التوقعات المتفائلة للإدارة السابقة.
استندت الحكومة الثالثة عشرة في أهداف نموها على زيادة متوقعة في تكوين رأس المال، مستشهدة بإحصاءات البنك المركزي التي أفادت بارتفاع بنسبة 6.7% في تكوين رأس المال في عام 2022 بعد سنوات من النمو السلبي، مع زيادة أخرى بنسبة 4.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023. ومع ذلك، فقد أبرزت نتائج الصيف المخيبة للآمال المخاوف بشأن موثوقية هذه التوقعات والقيود المفروضة على بعض تدابير السياسة.

الضغوط الإقليمية وعدم اليقين الاقتصادي

إن التوترات الإقليمية المستمرة والتزام الحكومة بدعم القوى بالوكالة في الشرق الأوسط، إلى جانب نقص الطاقة وتقنين الغاز الصناعي المتوقع في الخريف، يزيد من المخاوف من استمرار ركود الاقتصاد خلال ما تبقى من عام 2024.
ويشعر الخبراء الاقتصاديون بالقلق من أن ميزانية عام 2025 ستتميز بضغوط تضخمية وركودية، مع احتمال أن يؤدي العجز المتزايد إلى إعاقة الاستثمارات الإنتاجية. وعلاوة على ذلك، تعمل العقوبات على الحد من اعتماد إيران على عائدات النفط، مما يثير تساؤلات حول الكيفية التي تنوي بها الحكومة تحقيق هدف النمو بنسبة 8٪ في هذه البيئة الصعبة.

التحديات الدبلوماسية ومأزق مجموعة العمل المالي

لقد كافحت الحكومة الرابعة عشرة للوفاء بوعودها بتقليل التوترات الدولية. ويعكس إغلاق القنصليات الإيرانية في ألمانيا والمفاوضات المتوقفة مع الدول الغربية الصعوبات التي تواجهها الإدارة في تحسين العلاقات الدبلوماسية.
وفي الوقت نفسه، أكدت وزارة الاقتصاد على أهمية الموافقة على مشاريع القوانين المتعلقة بمجموعة العمل المالي (FATF)، والتي يُنظر إليها على أنها حاسمة للإصلاح المالي ولكنها لا تزال معلقة لدى مجلس تشخيص مصلحة النظام. وذكر مجيد أنصاري، النائب القانوني للحكومة، أن مراجعة التشريعات المتعلقة بمجموعة العمل المالي جارية. ومع ذلك، تشير حالة عدم اليقين المستمرة إلى أن التقدم قد يظل متوقفًا.

الإصلاحات الهيكلية ضرورية لتحقيق النمو المستدام

يزعم المحللون الاقتصاديون أن تحقيق نمو بنسبة 8٪ سيتطلب تغييرات شاملة في السياسات الاقتصادية والخارجية الإيرانية، بما في ذلك الجهود المبذولة لمكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتأمين حقوق الملكية، والحد من التوترات الداخلية، وتعزيز المشاركة العالمية.

هذه الإصلاحات حاسمة لتعزيز سوق مالية مستقرة، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمار الخاص. ومع ذلك، اعتبارًا من الربع الأول من ولاية الحكومة الرابعة عشرة، هناك مؤشرات قليلة على التقدم في هذه المجالات، مع استمرار السياسات التضخمية في خلق الفوضى في أسواق الذهب والعملات.

وقد أدى هذا عدم الاستقرار إلى هروب رأس المال، حيث يحول المستثمرون الأصول بشكل متزايد إلى العملات الأجنبية، مما يقوض الاستثمارات الإنتاجية. وعلاوة على ذلك، تظل الظروف السيئة في بيئة الأعمال والدعم غير الكافي للقطاع الخاص عقبات كبيرة أمام جذب استثمارات جديدة، مما يؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الصعب بالفعل.

آفاق غير مؤكدة وسط ضغوط اقتصادية متزايدة

لقد تركت الظروف المتدهورة العديد من أصحاب المصلحة الاقتصاديين قلقين بشأن جدوى الإصلاح. ودعا قادة الصناعة والمشاركون من القطاع الخاص إلى إجراء تغييرات عاجلة في السياسات الاقتصادية.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة من أنه بدون إصلاحات جوهرية، ستستمر المؤشرات الاقتصادية في إيران في اتجاهها النزولي، مما يؤدي إلى المزيد من الانخفاض في القوة الشرائية، وتراجع الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة. وقد أدى انخفاض الإنتاج والعمالة إلى تعميق المخاوف بشأن الركود المحتمل، مما يجعل احتمال تحقيق نمو بنسبة 8٪ غير واقعي على نحو متزايد.
باختصار، تبدو التحديات الاقتصادية التي تواجه إيران هائلة، مع وجود القليل من الأدلة التي تشير إلى أن السياسات الحالية ستؤدي إلى تقدم ملموس. في الوقت الحالي، من المرجح أن يثبت مجرد الحفاظ على الوضع الراهن أنه يشكل تحديًا، ويظل تحقيق أهداف التنمية الطموحة احتمالًا بعيدًا.

*سعيد عابد عضو لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية؛ ناشط في مجال حقوق الإنسان، وخبير في شؤون إيران والشرق الأوسط*

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…