الإعلان الدستوري السوري يسهم في خلق الديكتاتورية

فواز عبدي

 

أود أن أوضح بداية أنني لست مختصًا في القانون، وقراءتي لهذا الموضوع ربما تندرج ضمن الإطار السياسي النقدي. بعد استعراض الإعلان الدستوري السوري المؤقت، الذي تم تبنيه عقب سقوط نظام بشار الأسد، يمكن ملاحظة عدد من النقاط التي قد تسهم في ترسيخ حكم ديكتاتوري جديد، حتى وإن كانت النية الظاهرة هي بناء دولة ديمقراطية قائمة على العدل والمواطنة. فيما يلي بعض المواد والممارسات الدستورية التي قد تخلق دكتاتوراً جديداً:

1) الهيمنة على السلطة التنفيذية:

  • المادة (32) تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، فهو “القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة” والمسؤول عن “إدارة شؤون البلاد”، مما يمنحه سيطرة كاملة على الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهي أحد أبرز مؤشرات الحكم الديكتاتوري.
  • المادة (35) تمنح رئيس الجمهورية سلطة تعيين الوزراء وعزلهم، مما يحدّ من استقلالية السلطة التنفيذية ويجعلها خاضعة بالكامل لإرادته.
  • المادة (34) تخوله تعيين نائب أو أكثر مع تحديد صلاحياتهم، مما يخلق مساحة للمحاباة السياسية.

2)  صلاحيات تشريعية واسعة:

  • المادة (39) تمنحه حق اقتراح القوانين، إضافة إلى حق الاعتراض عليها، بحيث لا يمكن إقرار أي قانون دون موافقته إلا إذا حصل على تأييد ثلثي أعضاء مجلس الشعب، وهي نسبة مرتفعة تمنحه نفوذاً تشريعياً فعلياً.
  • المادة (40) تعطيه سلطة منح العفو الخاص ورد الاعتبار، وهي أداة يمكن استخدامها لمكافأة الموالين ومعاقبة المعارضين.

3)  التأثير على السلطة التشريعية:

  • المادة (24) تنص على أن رئيس الجمهورية يشكل لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب، مما يسمح له بالتأثير المباشر على التشكيلة البرلمانية.
  • المادة (27) تلزم أعضاء مجلس الشعب بأداء القسم أمام رئيس الجمهورية، مما يعزز رمزيته كرأس الدولة ويكرس تبعية البرلمان للسلطة التنفيذية.

4)  سلطة إعلان حالة الطوارئ وإجراءاتها:

  • المادة (41) تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في إعلان حالة الطوارئ، وهي ذريعة استخدمتها أنظمة سابقة لتبرير القمع وتقييد الحريات.
  • المادة (42) تخوله إدارة شؤون الدولة ووضع الخطط والسياسات العامة، وهو أمر يعزز سلطته على جميع المؤسسات الحكومية.

5) التحكم في السلطة القضائية:

  • المادة (47) تمنح رئيس الجمهورية سلطة تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، مما يتيح له التأثير على قراراتها.
  • المادة (44) تحظر إنشاء محاكم استثنائية، ولكن النص العام لا يمنع رئيس الجمهورية من إصدار قوانين لاحقة قد تفتح الباب لإنشاء هيئات قضائية تخدم أهدافه.

6)  تقييد الحريات رغم النص على ضمانها:

  • المادة (23) تنص على أن الحقوق والحريات يمكن تقييدها لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام، وهي ذرائع شائعة تُستخدم لقمع المعارضين.
  • المادة (14) تنص على أن تشكيل الأحزاب يجب أن يكون “وفقاً لقانون جديد”، مما يفتح الباب أمام وضع قوانين تقيد التعددية الحزبية.

وفي الختام نستطيع أن نقول: مع أن هذا الإعلان الدستوري يحتوي على العديد من المبادئ التي تبدو ديمقراطية، إلا أن التداخل الكبير بين السلطات، وسيطرة رئيس الجمهورية على مفاصل الدولة، وغياب الضمانات الكافية لاستقلال السلطات، كلها عوامل قد تؤدي إلى إعادة إنتاج ديكتاتورية جديدة، ربما بوجه مختلف عن النظام السابق، لكنها تحمل في جوهرها آليات تمكين حكم فردي سلطوي. فإذا كنا نريد الديمقراطية الحقيقية في سوريا لابدّ من إجراء تعديلات جوهرية على هذا الإعلان الدستوري لضمان عدم تركيز السلطة بيد شخص واحد، وتعزيز استقلال المؤسسات التشريعية والقضائية، وضمان عدم استخدام حالة الطوارئ كذريعة لمصادرة الحقوق والحريات.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…